انتحارُ الحواس.. والعقل


30/08/2018

شوقي عبد الأمير

ليسَ مجازاً شعرياً هذا العنوان ولاهو استعارة سوريالية؛ إنها حقيقة عضويّة في الجسد البشري عاشتها وتعِيشها ـ ربما اليوم ـ شخصيات من كبار المبدعين والمفكرين في العالم.

أجل،  «تنتحرُ» العينان والأذنان وحتى العقل...

حدَثَ هذا بالفعل؛  لقد أصيبَ كلود مونيه

«ClaudeMonet 1962 - 1840» رائد الحركة الانطباعّية في الرسم بعمى الألوان وهو سيدّ  الألوان .. وأصيبَ بيتهوفن «Beethoven 1770 - 1827» عبقري الموسيقى هو الآخر بالصمم..  وأكثر من هذا؛ فإن صاحب «هكذا تكلم زرادشت» الفيلسوف الذي زعزع الفكر ما قبله وهزّ عرش المسيحيـــــــة فريدريك نيتــــشه«FreduiqueNietzche   1844 - 1900» انتهى به الحال مجنوناً.. كيف يحدث هذا ؟

 نعود إلى التفاصيل لنفهم أكثر هذه الظاهرة ذات الدلالات الكبيرة ..

كان كلود مونيه قد اكتشف علاقة جديدة بين الضوء واللون قائمة على «العاطفة»  Impression  ومنها ولدت الحركة الانطباعيّة في الفن التشكيلي.

درس مونيه بدقّة تدرجات الضوء وتأثيرها على اللون في اللوحة ورسم الأطياف اللونيّة خالطاً تدرجتها بالمشاعر والاحاسيس التي يبعثها في اللوحة..

وعلى سبيل  المثال؛ رسم مونيه واجهة كاتدرائية مدينة روان Rouen الفرنسية بـ  50 خمسين لوحة مستقلّة.. كان في كل لوحة يرسم ذات المشهد لكنه يرافق تدرّج الألوان وانعكاساتها مع المحيط الخارجي على جدار الكاتدرائيّة...

هكذا كان يرسمُ مونيه الألوان حتى احترقت عيناهُ ضوءاً وظلاً، صمتاً وصُراخاً، خوفاً وحُزناً..

راح في التجربة الأولى من نوعها في الرسم إلى آخرها حتى أُصيبَ بعمى الألوان...

أما بيتهوفن الذي ابتكر لنا الملاحم الموسيقيّة وهي التي نسميّها اليوم «السمفونيات» فهو الآخر أراد أن يترجم حفيف الروح بحرف على البيانو ويصغي إلى نداء الأمل، لشهقةٍ في كمان قديم ويسكبُ دموع الأوتار، همساً وارتعاشاتٍ باصغاءٍ نادر للصمت كما للصوت بشكل لم تعرفه البشرية من قبل؛ حتى تلك الليلة في السابع من أيار عام ألف وثمانمئة واربع وعشرين عندما كان يقود أوركستراه في فيينا وحيث بلغ أداؤهُ ذروة الإبداع التهب الجمهور با لتصفيق والهتاف له لكن المغنيّة التي كانت ترافقهُ «كارولين أونغر» أدركتْ أنه لا يسمع التصفيق في حين كان يقود الأوركسترا بسيطرة ودقة نادرتين ....

هكذا إذن لقد «انتحرت» أذناهُ وهو في ذروة الإصغاء لكن،وكما يبدو، تحول كل عضو في حواسّه الآخرى إلى إصغاءٍ.. ربما كان يسمَعُ بعينيه ويُصغي بشفتيه حتى أنهى هذه السمفونية الرائعة التي أطلق عليها اسم «السمفونية التاسعة»  أو «سمفونية الفرح» وقد اختارتها أوروبا اليوم، بعد توحُّدها، نشيداً وطنياً..

كانت كارولين أونغر تردّد مَعهُ هذا النشيد؛

«أيها الفرحُ

  أيها الفرحُ

  سيُصبحُ كلُّ البشر أُخوةً

  عندما تحتضنهم بأناملك الناعمة ..»

أجل لقد «انتحرت» عينا مونيه وأذنا بيتهوفن كما رأينا.. لكن العقل هو الآخر يمكن أن «ينتحر»..

يقدم لنا الفيلسوف الألماني نيتشه خير برهان؛ إن نيتشه الذي ابتكر «الإنسان الأعلى» والذي منه صُنعت الأفكار النازية والفاشية،  نتيشه الذي فّند الفلاسفة وخاصم عباقرة زمانه «شوبنهاوروفاغنر» 

 - نيتشه الذي يحيا حتى يومنا كأكثر الفلاسفة حضوراً وتأثيراً بعقله الذي اخترق الجدل اليوناني والتأريخ،

نتيشه الذي أنسن الموت وأحبّ الألم وشجع شباب عصره على الانتحار .... انتحر «عقلُهُ» هو الآخر وانتهى مجنوناً..

 

هذه أمثلة حية لثلاثة من عباقرة العالم المعروفين يقدمون لنا البرهان الجليّ من أن رحلة الإبداع الإنساني، هذه المغامرة العظيمة يمكن أن تدرك نقطة اللاعودة ...