بعد روسيا وإسرائيل، تركيا تسعى لإستعادة علاقاتها مع العراق وسوريا...هفال زاخويي


14/07/2016

هفال زاخويي


        في تطور متوقع صرح رئيس الوزراء التركي بينالي يلدريم(1) صباح الأربعاء 13/تموز/2016 بأن بلاده تعتزم استعادة علاقاتها الطبيعية مع سوريا والعراق، جاء هذا التصريح خلال اجتماع موسع لرؤساء فروع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، وفي حديث نقله التلفزيون التركي على الهواء مباشرة ذكر يلدريم ان  "سنوسع صداقاتنا في الداخل والخارج، وقد بدأنا في فعل ذلك خارجيا، حيث أعدنا علاقاتنا مع إسرائيل وروسيا إلى طبيعتها، وأنا متأكد من أننا سنعود إلى العلاقات الطبيعية مع سوريا أيضا". كما تناول يلدريم موضوع الإرهاب وعدم الاستقرار الذي تعيشه سوريا والعراق، معربا عن أمله في ألا تغض الدول الكبرى النظر عن الهجمات على الإنسانية في هذه الدول، مؤكدا أنه "لا بد من إرساء الاستقرار في سوريا والعراق من أجل النجاح في مكافحة الإرهاب". وأكد أن هدف بناء علاقات جيدة مع العراق وسوريا يعد ملحا وضروريا، كما ذكر في اجتماع في حديثه بأنه "ليست هناك أسباب كثيرة لننازع العراق وسوريا ومصر أو أي دول في أي منطقة. لكن هناك أسباب كثيرة لدفع العلاقات قدما إلى الأمام". وشدد على أن تركيا تعتبر كافة الدول "أصدقاء لها". مؤكداً على تطوير علاقات جيدة مع سوريا والعراق وكل جيراننا حول البحر المتوسط والبحر الأسود" .

        دونما أدنى شك فإن السياسة وببساطة تعني فن الممكن لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، كما تعني البراغماتية -وببساطة أيضاً- إن قيمة القضية تكمن في الثمار المتأتية منها، لكن حقيقة فإن اللعبة السياسية التي أدارها ويديرها رجل (التنمية والعدالة الأول) رجب طيب اردوغان لعبة مدهشة كونها اعتمدت على عقلية المغامرة، وبُنيت على ثوابت تاريخية عقيمة في عالمٍ متغير متحول، ناهيك عن الجانب النفسي لدى أردوغان والذي يتجسد في تقاسيم وجهه أثناء خطاباته وظهوره الإعلامي فـ(الأنا العليا) تعمل بفرادة مذهلة لديه لا يمكن أن تخفى على المهتم، وإذا ما علمنا بأن (الأنا العليا) حسب رؤية سيجموند فرويد(2) هو (مستودع المثاليَّات، والأخلاقيَّات، والضمير، والمعايير الاجتماعيَّة، والتقاليد، والقيم، والصَّواب، والخير، والحق، والعدل، والحلال، فهو بمثابة سُلطة داخليَّة، وهو لاشعوري إلى حدٍّ كبير، وينمو مع نُمُوِّ الفرد)، فإن السيد أردوغان يعيش في عالم المثال التاريخي، قدماه تتجهان نحو الأمام ووجهه بإتجاه الخلف(التاريخ)، ولقد كانت قراءاته محكوم عليها بالخطأ وقصر النظر، تلك القراءات الثابتة التي جعلته يتجاوز التعاليم الأتاتوركية المتحولة والقابلة للتحديث، كون المشروع الأتاتوركي كان مشروعاً سياسياً حداثياً.

        لا يُنكر بأن أردوغان تصدى لسطوة العصابات المنظمة في تركيا كبار التجار والمتنفذين والمؤسسة العسكرية، لكنه كان براغماتياً في الجانب الآخر بشكل مفرط ومبالغ فيه، فمارس سياسة الخداع مع ناخبيه من خلال خطابه المنبري القائم على الوعود الضخمة، فقد اطلق العنان لنفسه كي يعبر كيفما يحلو له لا كيفما يكون الواقع، فركب مركب الغرور وتحدى العالم برمته، واعلن من نفسه حامي حمى الديار الاسلامية، وصاحب القضية الفلسطينية، وبلغت به الأخطاء للتدخل في شؤون جيرانه بشكل سافر، وقف ضد القرار الأميريكي باجتياح العراق عام 2003 ، وتسبب في تدهور علاقات بلاده باسرائيل التي كانت تجمعها واياها اتفاقية عسكرية-استخبارية ووصلت به الحال الى ان يطالب ب"بروتوكول مكتوب" من اسرائيل تتعهد فيه برفع الحصار عن قطاع غزة، وذلك كشرط لابرام اتفاقية مصالحة وتطبيع للعلاقات بين الجانبين، واعلن عداءه للوضع القائم في العراق وكذلك في سوريا، وتدخل في شؤون مصر وحطم علاقات بلاده بها، واخيراً تحارش بالدب الأبيض، الى أن علمه السيد فلاديمير بوتين بأنه (ما هكذا تُدار السياسة يا رجب)!

        وبما ان تركيا دولة قائمة على النظام المؤسساتي، ولا يمكن أن تكون الدولة مختزلة في شخص الزعيم فـ (أتاتورك) ما زال يَحكُمُ  من قبره، لذا يبدو بأن القوى الكابحة في تركيا بعد أن رأت خطورة ما آلت اليه الأوضاع، أن تقوم بايقافه عند حده وايقاظه من أحلامه التي كادت تطيح ببلاده، فقد تسببت سياسات السيد رجب طيب أردوغان في تحطيم الإقتصاد التركي إذ توقفت حركة السياحة بسبب تدهور الوضع الأمني داخلياً، وبقيت منتوجات الفلاحين الزراعية تتعفن بعد أن قاطعتها روسيا، ووصلت مجاميع المقاتلين الكورد(ب.ك.ك)(3) الى عمق المدن التركية لتنفذ عمليات عسكرية لم تكن أصلاً في حسابات أردوغان، وكذلك الوضع الإداري الذي أقامه الكورد في سوريا بدعم دولي، ودخول تركيا في عزلة مخيفة، مع هذه المعطيات شعر الأتراك بأن بلادهم مكروهة من  قبل المجتمع الدولي، هذه القوى الكابحة(قوى الظل) أجبرت السيد أردوغان على أن يستيقظ من أحلامه بعد أن أصبحت المدن التركية وكبريات منتجعاتها ومطاراتها تستيقظ على أصوات المتفجرات.

        ما جاء من فقرات آنفة في حديث بينالي يلدريم الإسلامي المقرب من أردوغان هو اعتراف ضمني بأن إدارة أردوغان ارتكبت أخطاء فادحة بحق بلاده، فقوله (أن هدف بناء علاقات جيدة مع العراق وسوريا يعد ملحا وضروريا) وكذلك تأكيده على تطوير العلاقات مع سوريا والعراق ومع كل الجيران حول البحر المتوسط والبحر الأسود... معنى هذا الكلام ان تركيا تحدت الجميع ووقفت بوجه الجميع لإنها أرادت لعب دور الشرطي في هذه المنطقة دون اعتبار للقوى الكبرى من ضمنها اميريكا وروسيا، ويبدو ان الذاكرة خانت اردوغان بخصوص النظام الشاهنشاهي الايراني الذي بالرغم من انه كان شرطياً أميريكيا في المنطقة، لكن المنزلقات أودت بهذا النظام الذي ترك ايران لنظام اسلامي هو الآخر يجابه العالم ولكن بطريقة ذكية جداً.

        الآن أدركت تركيا خطورة انقطاعها عن محيطها الخارجي الذي وصل الى حد الخناق، وآن الأوان كي تدرك تركيا انها بحاجة للتصالح مع نفسها داخلياً، فسياسات أردوغان في الداخل بعيدة كل البعد عن قيم الديمقراطية التي كانت تركيا تتبجح بها، فحيال الديمقراطيات والحقوق الفردية هناك خلل ما، إذ لا يمكن لحزب إسلامي إخواني أن يؤمن بالديمقراطية منهجاً للحياة بل فقط يؤمن به كآلية للوصول إلى السلطة فحسب، ولكن المؤسساتية والنهج الأتاتوركي بمقدورهما الوقوف في وجه أي مدٍ اسلامي، وجدير بالذكر ان اردوغان انقلب حتى على اقرب حلفائه وهو الداعية الاسلامي فتح الله كولن الذي كان من انصار اردوغان، وحركة فتح الله كولن(4) كما هو معروف حركة دينية ذات مسحة صوفية لكن فيها رجال اعمال أيضاً يبحثون عن جني الأرباح المذهلة، وقد رأى اتباع هذه الحركة اليوم أنفسهم في السجون، كذلك اقدم اردوغان على خطوات تمهد له التلاعب بالدستور ورفع الحصانة عن النواب الكورد في البرلمان التركي، كما انه استغل الآلة العسكرية التركية لضرب المدنيين العزل وتدمير دورهم وممتلكاتهم داخل المدن الكوردية... هذه الأوضاع الداخلية في تركيا يجب أن تتغير، ويجب ان تكون هناك سياسة مساواة بين المواطنين في تركيا، ويجب العودة الى الهدنة والتفاوض مع حزب العمال الكوردستاني الذي أصبح قوة عسكرية تُحسب لها الحسابات دولياً، وهو قوة جاهزة لأن تكون ورقة ضغط رابحة بيد الدول المجاورة لتركيا...الآن عندما تذوقت تركيا مرارة التفجيرات بدأت تصطف مع القوى التي تقف بوجه الإرهاب، وهذا الوقوف بوجه الإرهاب أيضاً سيجعل السيد اردوغان وحزبه يفقد الكثير لأسباب ايديولوجية معروفة، كونه مضطر لمحاربة التنظيمات الاسلامية التي كان يتعاطف معها.

1- بينالي يلدريم سياسي تركي من عائلة كردية انتخب رئيساً لحزب العدالة والتنمية في مؤتمره الاستثنائي الثاني في 22 مايو 2016 ، وهو رئيس الوزراء ال27 والحكومة ال65 في تاريخ تركيا ، والتي صادق عليها رئيس الجمهورية وأعلن عن تشكيلتها في يوم 24 مايو 2016، وهو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عام 2001 وعضو عنه في البرلمان عن أزمير.

2-    مفكر حر يعتبر مؤسس علم التحليل النفسي

3    هو الأسم المختصر لحزب العمال الكردستاني ، تأسس في 27 تشرين الثاني 1978، واعلن الكفاح المسلح في 15 آب 1984، وهو حزب يساري كوردي ذات توجهات قومية ، يتبعه حزب الحياة الحرة الكردستاني في ايران،  وحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا وحزب الحل الديمقراطي الكردستاني في كردستان العراق.

4    باحث و مفكر وداعية اسلامي و كاتب و شاعر و قائد رأي و ناشط تعليمي و داعية للسلام و واعظ تركي مسلم . وهو يعتبر المنشئ و الملهم لحركة المجتمع المدني المنتشر في جميع أنحاء العالم ، والمعروف باسم حركة الخدمة أو حركة كولن و التي تهدف الي التعليم والحوار و السلام والعدالة الاجتماعية و التناغم الاجتماعي ، بدأ حياته المهنية كواعظ وناشط تعليمي . و نجح في حشد مئات الآلاف من المؤيدين وحركته ذات مسحة صوفية.