العراق وخرافة الدولة المدنية في ظل التطرف الديني والمذهبي والقومي...هڤال زاخویی


28/05/2016

 

هڤال زاخویی

        لا یبدو العمل سهلاً ومزحة في مضمار بناء الدولة المدنية الحديثة في العراق بمقدار السهولة التي يتحدث بها الزعماء والقادة المتعددو المواهب عن نفس الموضوع، فهؤلاء القادة من زعماء الإقطاعيات السياسية لا يمتلكون أية مواصفات تؤهلهم لبناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على أساس المواطنة المستندة على الدستور والقانون والحقوق الواجبات، فهؤلاء مازالوا يخدعون قواعدهم الشعبية والحزبية من خلال شعارات ويافطات دينية ومذهبية وقومية فارغة لاتخدم أحداً إلا أصحابها من تجار السياسة وأمراء الحروب وأتباعهم من (الطبقة الجديدة )واقصد بذلك النفعيين والوصوليين الذين أحالوا البلد الى أرضٍ خراب تطيح به عواصف الكراهية الدينية والمذهبية والقومية وحتى الإجتماعية والقبلية.

        لقد فشل حملة هذه الشعارات في بناء الدولة العراقية الحديثة بعد أن أطاح الأميريكان وحلفاؤهم بحليفهم القديم صدام حسين ليأتوا بآخرين ويجلسوا على عروش الأموال والإمتيازات وايرادات النفط والمقاطعات الخيالية الخضراء والتجارية من الأراضي في كل أرجاء هذا البلد بالإضافة الى أرصدتهم واستثماراتهم خارج البلد، ولم يكتفوا بامتيازاتهم، بل أداروا لعبتهم القذرة من خلال زرع الأحقاد وتوسيع الفجوات المرعبة بين مكونات الأهالي في العراق من خلال أجهزة اعلامهم الموبوءة بالفكر الديني المتطرف والمذهبي المتطرف والقومي المتطرف.

        دونما شك فإن الإطاحة بالنظام الديكتاتوري الصدامي من قبل قوى التحالف الدولي في 9 ابريل 2003 ساهمت في إزاحة ديكتاتور واحد وهو صدام حسين، لكنها ساهمت في توليد وتنمية العشرات بل المئات من أمثال صدام حسين ، ليكملوا الخراب الذي بدأ به صدام في تموز 1979 ، وينتهي العراق عملياً على أيدي زعماء هذه الإقطاعيات السياسية الحالية والذين تتوزع ولاءاتهم بين قوى دولية وأخرى إقليمية الى درجة لم يعد الحديث عن قرارٍ سياسي عراقي إلا محض تفاهة وضحك على الذقون .

        في ظل هذه العقلية السياسية الحاكمة في العراق، وكذلك العقلية السياسية غير الحاكمة أيضاً لم يعد الحديث عن بناء دولة مدنية الا فكاهة او نكتة سخيفة وسمجة، يساهم الى جانب العقلية السياسية سهولة خداع الأهالي في العراق والذين يتمايلون مع كل ريح ومع كل خطاب سياسي واعلامي للطرف الذي يتصورون انه يمثلهم، ولكي تكون الأمور أكثر وضوحاً فإن كل التيارات السياسية في العراق نجحت الى حد بعيد في مخادعة جمهورها الخاسر البائس، في وقت تلعب هذه القيادات القديمة الجديدة بأموال البلد لعباً وكذلك بكل مقدراته وخيراته.

        بلد تحول من زراعي الى بلد يستورد حتى البصل وعلف الحيوان، دُمِرت الزراعة، وكذلك الثروة الحيوانية، أما صناعياً  فالعراق يستورد حتى المكنسة البلاستيكية من ايران، ويستورد الفوانيس النفطية من الصين، ويستورد المعلبات المنتهية الصلاحية من تركيا ، فقد تحول البلد بفضل هذه السياسات والممارسات التي تبنتها الإقطاعيات السياسية الى مجرد سوق استهلاكية سخيفة، فالقادة الثوار القوميون والدينيون والمذهبيون نجحوا في ترويض الأهالي - من خلال اتباعهم وخدمهم من تجار الفرص- على ثقافة الاستهلاك من خلال الترويج لها عبر هذه المولات (الأسواق) التي تنتشر في طول وعرض البلاد، ويعود الفضل اصلاً الى الثقافة الإجتماعية التي شجعت هؤلاء القيادات على الإيغال في ممارساتها من خلال التصفيق والتهليل وتبجيل الزعماء الفاشلين وهذا ما كنا نراه في عهد النظام الديكتاتوري السابق وكيف كان حتى أساتذة الجامعات يرقصون في حضرته مقابل كلمة (عفية)، أما الآن فمقابل (قطعة أرض)، ومقابل (ايفاد الى بلد أجنبي)، ومقابل (درجة وظيفية) أو (عضوية مجلس النواب) يرقص الراقصون في حضرة مدراء مكاتب القادة، كي يحصوا على كيس من الدراهم، فمازالت ثقافة الخلفاء والسلاطين والأمراء والرعية الذليلة منتعشة.

        مخجل جداً الحديث عن دولة مدنية حديثة في بلد أمسى فيه الإنسان يفقد كرامته من خلال التملق للحكام الكثر، بفضل غياب القوانين، بفضل ثقافة الاحتكار للاقطاعيات السياسية، بفضل الطبقة الجديدة من المنتفعين تلك الطبقة الجرثومية التي تقتات على أمراض البلد، بفضل انعدام الضمان الإجتماعي والتأمين الصحي والأمن، مخجل جداً الحديث ليس فقط عن الدولة المدنية الحديثة ، بل حتى الحديث عن أطلال دولة .

        الحديث ذو شجون ويطول، لكن أرى أنه من المحال أن تكون هناك دولة مدنية حديثة قائمة على أساس المواطنة قوامها الدستور والقانون في ظل انتعاش الإيديولجيات الدينية والمذهبية والقومية والقبلية والسياسية، هذا بالإضافة إلى أنه لم يعد بمقدور أي حراك سياسياً كان أم اجتماعياً أن يؤدي الى التغيير ، فما تحدثنا عنه آنفاً مترسخ لدى اللاوعي الجمعي، لذا فالبدائل لن تكون أفضل حالاً.