البناء التراكمي للعلوم


02/12/2015

خالد المطلوب

يأخذ بناء العلوم شكلا عموديا فيأتي الجديد من حيث ما انتهى القديم ليُعلي صرح العلوم، أما الفلسفة فيأخذ بنائها شكلا أفقيا فتعود الى نقطة البداية معتمدة في ذلك على نفي الآخر وإلغاء جهود السابقين برغم اعتمادها عليهم. ويمكن القول أن العلوم تأسست على التجربة والمشاهدة واستخدام ادوات القياس توخيا للدقة في استخلاص النتائج التي توفر على علماء الزمن اللاحق إعادة التجربة، إلاّ بمقدار ما يحتاجه العلم من تطور يستدعي تغيير النتائج كليا أو جزئيا أو إثبات صحة النتائج السابقة بالكامل. ولا يحتمل العلم كثيرا من التعصب والإنحياز للنتائج كما هو حال الفلسفة التي غالبا ما تعكس فكرا إجتماعيا لصيقا بذات الإنسان وقناعاته الروحية والقيمية.

          يعود تاريخ المعارف العلمية الى زمن غير معروف يسبق قيام الإنسان بابتكار الكتابة، ولو لم يكن الأمر كذلك لما تواصلت حياة البشر مدفوعة بغريزة الحفاظ على النوع -التي يشترك فيها مع الحيوان- يضاف إليها قدرات ذهنية خاصة تَميّز بها دماغ الإنسان إرتكزت على خاصية الإبداع. ولا شك أن بني البشر في عصور موغلة في القِدم كانوا قد اهتدوا إلى معارفهم بناءا على مبدأ المصادفة في الإكتشاف ومبدأ التجربة والخطأ سيما وأن سجلات النتائج لم تكن أكثر من الذاكرة الفردية والجماعية، وأن تواصل الإكتشافات والإختراعات هو الذي قاد التجمعات السكانية الأولى لمعرفة الزراعة وتدجين الحيوان وتحسين وسائل الدفاع ضد غوائل الطبيعة والحيوان.

          توصل السومريون قبل أكثر من خمسة آلاف سنة إلى تكوين أولى الحضارات البشرية بنظمها الحضارية المبتكرة، يوم أوجدوا الكتابة فصارت سجلا لمختلف الأنشطة الحياتية من علمية وتجارية ودينية، وبنوا أولى دويلات المدن فأخذت على عاتقها تنمية العلم بما أوصل الى تشييد القبّة والقوس والأعمدة التي ترتكز عليها الأبنية والأشكال الهرمية فيما عُرِف بالزقورة، كما ساهمت صناعة الرُقُم الطينية وقلم القصب بإثبات المعارف العلمية التي أعطت فكرة للمعاصرين عن مدى واقعية التراكم المعرفي العلمي على امتداد العصور، فوصلتنا نظرياتهم الهندسية التي كانت أساسا لما تلاها من علوم بألاف عديدة من السنين. وهكذا كان الرقيم الطيني الذي وُجِد في خرائب بابل، على سبيل المثال، يؤسس لما صار يُسمى لاحقا بنظرية فيثاغورس.

          وتطور أمر التناقل المعرفي عبر الأزمان بطرق ووسائل وأسباب متعددة، فها هم العلماء الأوربيون يَهربون من سطوة إضطهاد الكنيسة ليجدوا الحاضنة العلمية في أرض العباسيين أيام قوتهم السياسية على شرق الأرض، وينزح إلى بغداد علماء سمرقند وبخارى وفارس وغيرها حيث يتم احتضانهم وتوقيرهم وتوفير الأجواء المناسبة لمواصلة الإبداع العلمي بشتى فروعه. ويوم تراجعت الدولة العباسية في عهودها الأخيرة عندما لم تعُد تُقّدم للتنامي الحضاري شيئا جديدا، إنقلبت الهجرة وأخذت طريقا عكسيا من الشرق الى الغرب، عندما استقرت الحياة السياسية في أوربا إلى حد معقول، فتم نقل معارف وعلوم المشرقيين عن طريق الأندلس وصقلية الى أوربا التي استفادت من آخر ما توصل اليه علماء الشرق من إنجازات.

           وقد انعكس انتقال العلوم إلى الغرب الأوربي على بعض النتائج التي توصل إليها علماء عصر النهضة وما تلاه، فكان هناك تواشج كبير بين الدورة الدموية التي اكتشفها إبن النفيس وبين ما توصل اليه وطوره علماء أوربا في هذا المجال، وكذا في التشريح وعموم العلوم الطبية حيث كان لمؤلفات الشيخ الرئيس إبن سينا أثر كبير في البناء عليها وتحسينها، ونفس الأمر يمكن أن يُقال بخصوص علوم الحيوان والنبات التي حققت قفزات كبيرة على يد العلماء الغربيين، الأمر الذي انعكست فائدته على عموم سكان الأرض وهو ما نجده اليوم في شيوع المعارف وتطبيقاتها بمختلف أنواعها ووصولها إلى شتى بقاع الأرض بما فيها الأكثر تخلفا.

          تشيع في الثقافة العربية اليوم أفكارا مؤداها أن الغرب قد سرق منّا علومنا وأن تلك السرقة كانت سببا في تخلفنا الحاضر. ولعلها أفكارا تعكس أزمة تعيشها المنطقة تحاول من خلالها تبسيط الأسباب وإلقاء اللوم ،كل اللوم، على الآخر. يمكن القول أن العلوم ببنائها التراكمي تقود لاستخدامها من قِبل الأمم الجاهزة لذلك الإستخدام والإرتقاء، كما حدث للعباسيين -ولغيرهم- يوم كانوا بناة حضارة فتمكنوا من استيعاب وتمثُّل المنتج العلمي الذي أخذوه وطوروه بما ينسجم وآخر ما توصلت إليه نظرية المعرفة في مجالاتها المتنوعة، وهو أمر إيجابي أينما حدث فالموضوع برمّته موضوع تطوّر لا سرقات.