الناجيات الايزيديات من داعش: مشاكل نفسية وصحية وصعوبات في الاندماج بالمجتمع


29/11/2015
تحقيق حنان زبيس
" أرى كوابيس وأحلم أن مقاتلي التنظيم يخنقونني ويغتصبونني، فأستيقظ مرعوبة. أحس كل الوقت، بالخوف وبعدم الامان وأتسائل دائما كيف سأكمل حياتي بدون أب وأم وعائلة؟"، تروي أميرة ( اسم مستعار) وقد تقلصت تقاسيم وجهها من الألم، وهي جالسة على ارض الخيمة المغبرة في مخيم بعدرا (دهوك) وعيناها فارغة وكأنها تستعيد الذكريات الاليمة.
هي فتاة ايزيدية تبلغ من العمر 17 سنة، أسرها داعش مع عائلتها عند هجومه على سنجار (3 آب 2014) وأُخذت الى تلعفر ومنها الى الموصل حيث تم بيعها الى امير اربعيني. حاولت الهروب مرة ولم تنجح، فقام مقاتلوا التنظيم بحبسها وتقييدها لمدة اربعة ايام بدون أكل وضربوها وهددوها بقتل أمها الاسيرة عندهم ان لم تعتنق الاسلام ولم تصلي. ولكنها اعادة الكرة نجحت في الفرار في المرة الثانية، حيث تلقت المساعدة من عائلة موصلية.
فرارها من قبضة التنظيم، لم ينهي عذابها بل فتح صفحة جديدة في كتاب معاناتها. فالكوابيس لا تنتهي والاحساس بالخوف يسكنها والتفكير في المستقبل يرعبها. ورغم انها تتلقى علاجا نفسيا في دائرة الوقاية الصحية في دهوك، فإنها لا تستطيع نسيان ما حصل لها. وهو ماجعلها تحاول الانتحار عديد المرات.
أسماء ( اسم مستعار)، 20 سنة، أنجبت ابنها وهي بين أيدي داعش. هو اليوم يبلغ من العمر 10 أشهر، لم تكن تتعرض فقط للتعذيب والاعتداء الجنسي، بل كان المقاتلون يحرمون ابنها من الحصول على الحليب، كما أنها ولدت في ظروف سيئة، بمساعدة جدتها الاسيرة معها وبدون اية رعاية صحية. ولكن الأسوأ بالنسبة لها كان تسمية مقاتلي التنظيم ابنها على اسم أبي بكر البغدادي، زعيم داعش.
هي ايضا تتلقى الرعاية النفسية بعد هروبها، لكنها لا تنفك تستعيد في كل لحظة ما حصل معها. "كل ليلة أستعيد في حلمي كيف هجم داعش على قريتنا حردان (قضاء سنجار) وقتل الرجال وأخذ النساء واغتصبهن، فأستيقظ من النوم والدموع تبلل وسادتي".
على الرغم من تحرير  من ايزيديات مختطفات من قبل داعش، إلا ان أغلبهن يعدن بمشاكل نفسية عميقة، عدا حمل البعض منهن واضطرارهن الى الاجهاض، في حين تقع أخريات ضحايا اغراءات حزب العمال الكردستاني الذي يقوم بتجنيدهن للقتال في سنجار.


اضطرابات نفسية متعددة
" قمنا الى حد الآن بتحرير ما يقارب 2000 مختطف أيزيدي منهم اكثر من 750 امراة و 800 طفل والباقي من الرجال" يقول حسين كورو القائدي، المعروف بأبو علي، مدير مكتب شؤون المخطوفين، التابع لمكتب رئيس حكومة اقليم كردستان، مبينا أن من بقوا في ايدي داعش يقدر عددهم ب2800 شخص. 
تنشط المكاتب الحكومية في تحرير الايزيديات المختطفات من داعش وكذلك بعض المنظمات المحلية  والناشطون الايزيدييون وقد تم ارجاع المئات منهن، ليتم اعادتهن الى ما تبقى من عائلاتهن. إلا ان عودتهن لا تعني نهاية المأساة وانما بداية معاناة أخرى وهي العيش مع ذكريات السبي والتعذيب والاغتصاب، ومحاولة تجاوز هذا الارث الثقيل، للبدء من جديد. كما أن ظروف العيش الصعبة في المخيمات وفقدان أفراد الاسرة التي مازال الكثير منهم في أيدي داعش، لا يمثل عاملا مساعدا للنسيان.
تقول الدكتورة نغم نوزاد، اخصائية نسائية تعمل في دائرة الوقاية الصحية بدهوك الذي خُصصت لتقديم الرعاية الصحية الجسمانية والنفسية للناجيات الايزيديات " أن المشكلة الاساسية التي يعانين منها هي سوء الوضع النفسي. فرغم المتابعة  الصحية والنفسية التي نوفرها لهن، إلا أن وضعهن يبقى صعبا، فهن يعشن في المخيمات، وقد فقدن أسرهن وليس لديهن اي اخبار عنهم، الى جانب انهن يسمعن اخبار داعش 24 ساعة في اليوم."، مضيفة بأسف "ليس لديهن امكانية حقيقية للنسيان".
عند رجوعهن، تعاني معظم الناجيات من مشاكل نفسية تتفاوت درجاتها. وأهم الاضطرابات النفسية التي يعانين منها، حسبما يبينه دكتور عدنان أسعد طاهر، اخصائي نفساني بمستشفى آزادي بدهوك، قسم الصحة النفسية، "اضطرابات ما بعد الصدمة مثل رؤية الكوابيس، والاكتئاب، والاضطراب القلقي العام أي أن يتوقع الانسان اسوء الاحتمالات لو رن جرس التلفون او دق الباب أو لو سمع أي صوت".
بسمة حجي وهي اخصائية اجتماعية تعمل في منظمة وادي الالمانية وتشتغل على المساندة النفسية والاجتماعية للناجيات، منذ تشرين الاول 2014، تروي قصصا لفتيات حاولن الانتحار عديد المرات بعد عودتهن. "اتصل بي اهل احدى الناجيات طالبين مني ان آتي بسرعة الى المخيم الذي يوجدون فيه حين وصلت وجدت ان الفتاة خدشت كل جسمها باظافرها وحاولت خنق نفسها بغطاء رأسها. وعندما سألتها لماذا؟ أخبرتني انها رأت، وهي صاحية، مقاتلا من داعش يغتصبها".
زميلتها سارة حسن، اخصائية اجتماعية في نفس المنظمة، روت لنا قصة بنت في الثانية عشرة من عمرها كان مالكها الداعشي يضع لها منوما كل ليلة في الحليب ويغتصبها، وهي لم تصل بعد الى سن البلوغ، لتستيقظ وتجد نفسها ومضرجة بدمائها. " هذه البنت بقيت شهرين بعد رجوعها الى المخيم صامتة دون ان تنطق بكلمة واحدة".
تعمل بسمة وسارة على زيارة المخيمات في محافظة دهوك بشكل دوري لمساعدة الناجيات، سواء من الناحية النفسية او المادية. تتمثل طريقة عملهما تتمثل في الدخول في علاقة ثقة معهن حتى يحكين في مرحلة أولى ما حصل معهن، لتتم فيما بعد، مساعدتهن في الحصول على العلاج النفسي عبر تحويلهن الى المستشفى او الى دائرة الوقاية الصحية في دهوك. "كوننا ايزيديات، وكوننا فقدن مثلهن البعض من اهلنا بعد الهجوم على سنجار، ساعدنا كثيرا في جعلهن يشعرن بالاطمئنان معنا فيفتحن لنا قلوبهن ويبحن لنا بما حصل معهن"، تؤكد بسمة. من جهتها، تبين سارة أن منهجيتهما "تعتمد على زيارتهن عدة مرات، وتركهن على راحتهن، إن اردن ان يروين قصصهن أم لا، في نفس الوقت، نحاول أن نعرف حاجياتهن ونأخذهن في نزهات خارج المخيم الى السوق اوالى الحدائق العامة حتى يخرجن من الجو الذي يعشن فيه".


الرعاية موجودة ولكن غير كافية
حكومة اقليم كردستان أولت موضوع الاحاطة الطبية والنفسية بالناجيات الأيزيديات اهتماما كبيرا منذ بداية الازمة في آب 2014، حيث تم منذ الشهر العاشر من السنة الماضية تخصيص مركز للرعاية الصحية لهن في دهوك، حسبما يبينه مدير صحة دهوك، نزار عصمت. 
ويضيف "عندما تصل الناجية الى مركز الرعاية، يتم اعطاؤها كودا واسما مزيفا حتى لا يتعرف احد عليها، ثم نخضعها لمجموعة من الفحوصات الجسدية لنعرف اذا كانت حاملة لفيروسات (ايدز، ايبولا، أمراض منقولة جنسيا) او اذا كانت حاملا، كما تخضع أيضا إلى تقييم نفسي لنعرف حالتها بالضبط، وعلى ضوء ذلك نقدم لها برنامج علاج نفسي خاص بها".
بالنسبة للحالات الصعبة، يتم تحويلها لمستشفى آزادي بدهوك، قسم الصحة النفسية، حيث يعمل هناك اخصائيون نفسيون يتولون متابعة الحالات ومعالجتها. " ما نقوم به هو تعليم المريضات كيفية التعامل مع الضغوطات النفسية. اما اذا كن مصابات باضطرابات نفسية حادة، فنخضعن لجلسات نفسية خاصة تستمر ما بين شهرين و3 اشهر"، يوضح  د.عدنان أسعد طاهر الذي يشرف على الحالات في المستشفى.
يؤكد د.عدنان، ان العديد من الحالات تحسنت بالفعل بفضل العلاج النفسي الذي تلقينه. الا ان الامكانيات المتوفرة للرعاية النفسية تبقى دون المستوى المطلوب، نظرا للعدد الكبير من الناجيات اللواتي تعانين اوضاعا صعبة، كما ان عيشهن في المخيمات التي تذكرهن بمآسيهن لا يساعدهن على النسيان والشفاء.


مناخ اجتماعي غير مساعد
تحسن الحالة النفسية للناجيات هو أيضا رهين المحيط الذي يعشن فيه ومدى تقبل مجتمعن المحافظ لهن. لا شك ان البيان الذي اصدرته المرجعية الدينية الايزيدية المتمثلة في باب شيخ، يوم 6 ايلول 2014، (اي شهر بعد هجوم داعش على سنجار) كان له دور كبير في تقبل العائلات لبناتهن العائدات من قبضة التنظيم، حيث طالب البيان ،الذي صدر لأول مرة في تاريخ الديانة الايزيدية، باستقبالهن واعتبارهن غير مذنبات فيما حصل معهن. يقول سماحة باب شيخ "كان لابد لنا من اصداره لأن العديد من الفتيات كن يخفن من الهروب من داعش، خوفا من أن يتم قتلهن من قبل أهلهن، فرأينا أن ندعو المجتمع الايزيدي لتقبلهن لانهن تعرضن للسبي والاغتصاب وأجبرن على تغيير ديانتهن قسرا ولم يخترن ذلك، فهن اذا ضحايا ولسن مذنبات".
وبالفعل، فقد تم التعامل بشكل جيد مع الناجيات من قبل أسرهن. " تفاجأنا عندما رأينا كيف استقبل الاهالي بناتهن العائدات ورحبوا بهن"، كما تؤكد بسمة، الاخصائية الاجتماعية، "بل ان الكثير منهم تعاونوا معنا في معالجتهن". 
لكن ردود فعل المجتمع الايزيدي ككل على رجوع المختطفات لم تكن جميعها ايجابية، فقد ظلت الناجيات تعانين من نظرة الاتهام لهن، بالاضافة الى الاسئلة المتواصلة عما حصل لهن وهن في الاسر. "كلما خرجت من الخيمة، لا تنفك العيون تلاحقني وجميع من يعترضون طريقي داخل المخيم يسألونني: هل تعرضت للاغتصاب؟، كما ان الشبان يشيرون إلي باصابعهم قائلين: هذه التي تم الاعتداء عليها من قبل داعش ولا يمكن أبدا الزواج بها"، تروي فاتن (اسم مستعار) وهي تحبس دموعها.

طلب كبير على عمليات اعادة البكارة والاجهاض
هذه النظرات المتشككة والتلميحات جعلت العديد من الناجيات يشعرن بالحاجة الى القيام بعمليات استعادة غشاء البكارة، في محاولة لاستعادة شرف انتُهك رغما عنهن، لعل ذلك يساعدهن " في اعتبار أنفسهن فتيات عاديات.
"عندما نذهب لزيارة الناجيات، العديد منهن يطلبن منا ان نساعدهن في ايجاد حل لاسترجاع عذريتهن وعندما نسألهن لماذا؟ يقلن لنا لا نستطيع ان نعيش حياة عادية بعد الاعتداء الجنسي الذي تعرضنا اليه"، توضح بسمة، الاخصائية الاجتماعية، مضيفة" لذلك قمنا بالتنسيق مع حكومة كردستان ودائرة صحة دهوك ودائرة صحة زاخو حتى نأخذ البنات عندهم بصفة سرية ويتم اجراء عمليات اعادة العذرية". هذا ما يؤكده من جهته، مدير صحة دهوك في قوله: "هناك حالات يطلبن منا اجراء عمليات إعادة عذرية لهن ونحن نستجيب لطلباتهن حسب القوانين والتعليمات الصحية"، إلا أنه يحذر من أن "كل العمليات ليست ناجحة"، خاصة اذا تعرضت البنت الى اغتصاب جماعي.
الناجيات يطلبن ايضا المساعدة للاجهاض اذا حملن من مقاتلي داعش. وهو توفره لهم ايضا دائرة الصحة في دهوك. إلا ان ذلك لا يتم دائما في الآجال القانونية، فقد يتم الاجهاض بعد ثلاثة اشهر من الحمل او حتى في الاشهر الاخيرة ، نتيجة الحاح الناجيات للتخلص من حمل يذكرهن بالمأساة التي تعرضن لها. تقول سارة حسن، الاخصائية الاجتماعية " صادفتنا حالة احدى الناجيات التي كانت حاملا في الشهر الرابع وكانت مصرة على الاجهاض ولا تنفك تردد: لا أريد طفل داعش ولو لم تساعدوني على التخلص منه سأنتحر!".
من جهتهم، يرفض العاملون في دائرة صحة دهوك الحديث عن هذا الموضوع، مفضلين التكتم التام حول هذه المسألة الحساسة.
إلا ان الموضوع يطرح نفسه، خاصة بالنسبة لمختطفات بقينا فترة طويلة في ايدي التنظيم وتعرضن للاعتداء الجنسي والاغتصاب و لم يتمكنن كلهن من الاجهاض. تخبرنا سارة، الاخصائية الاجتماعية عن قصة امرأة ايزيدية كانت سبية في سوريا وهربت من داعش وهي حامل في الشهر الثامن وذهبت لتلد في تركيا، بعيدا عن الانظار، ثم تخلت عن الطفل هناك في المستشفى وعادت للعراق. "بالنسبة لها، من المستحيل ان تحتفظ بطفل داعش معها".
متحدث محامي ناشط سامان: يصعب الحصول على معلومات عن اطفال ولدوا نتيجة عمليات الاغتصاب، بسبب التكتم الشديد على الموضوع، سواءا من الناجيات او من الدوائر الحكومية التي تساعدهم، ولكن الاكيد هو انهم موجودون وعلى حكومة الاقليم ان تجد حلا لهم عاجلا أم آجلا. 


افتتاح مراكز لاعادة الادماج
في ظل هذه الظروف الصعبة  التي تعيشها الناجيات، يصبح من الضروري ايجاد حلول لاعادة ادماجهن في مجتمعاتهن وفتح آفاق جديدة أمامهن. في هذا الصدد، تسعى بعض المنظمات الى تنظيم دورات لتعليمهن الخياطة والتطريز والحلاقة والقراءة والكتابة (لمن لا يجدنها).
في بداية شهر تموز 2015، فتحت منظمة وادي مركز زيندا (تعني وهب الحياة) لرعاية المتضررات من داعش وذلك بمساهمة اليونيسيف ومنظمات دولية أخرى. "جاءتنا الفكرة من خلال ما لاحظناه من حاجة الفتيات الناجيات الى الخروج من الجو الصعب الذي يعشن فيه، خاصة في المخيمات"، تفسر جيمن عبد العزيز رشيد مديرة المركز.  يستوعب المركز 125 حالة يتم نقلهن يوميا من مختلف المخيمات في محافظة دهوك، حيث توجد الناجيات. وهو يوفر لهن انشطة ترفيهية وتثقيفية وتعليمية، حيث يتم تعليمهن الخياطة، والأعمال اليدوية، والحلاقة، واعداد الحلويات. ويتم أخذهن ايضا الى الملعب لممارسة الرياضة او الى الحدائق العامة للترفيه عنهن. كما تُعرض لهن افلام وثائقية حول نساء تعرضن لمآسي مماثلة لما شهدنه مثل نساء كوسوفو، حتى يعرفن انهن لسن وحدهن. وهناك ايضا مكتبة لمن تردن ان تثقفن انفسهن.
"هناك ايضا برنامج في نطاق مركز زيندا لمساعدة الناجيات اللواتي لا يقدرن على مغادرة المخيم لانهن يجب ان يعتنين بأطفالهن.، حيث يتم ارسال مدربات الى المخيم لتدريبهن"، تؤكد جيمن.
تم ايضا انشاء مركزين لاعادة تاهيل الناجيات الايزيديات في أربيل من قبل منظمات دولية، بالتعاون مع حكومة اقليم كردستان، حسبما يخبرنا به أبو علي، مدير مكتب شؤون المخطوفين الذي يقول: "نقوم بتعليمهن الانكليزية وتطوير مواهبهن، الى جانب تمكينهن من ممارسة الرياضة. وبالتوازي مع التدريب، يتلقين ايضا العلاج النفسي هناك". كما يبين ابو علي ان مكان المركزين يبقى سريا حتى لا يتم ازعاج الفتيات".


السفر خارج العراق للعلاج
رغم محاولة اعادة تأهيل الناجيات ومساعدتهن على الانخراط من جديد في مجتمعهن، إلا ان حالة العديد منهن تبقى صعبة، مما يستوجب نقلهن خارج العراق للعلاج. في هذا الصدد، تندرج اتفاقية التعاون التي تم امضاؤها العام الماضي بين ولاية بادن فورتمبيرغ الالمانية وحكومة اقليم كردستان لاستقدام حوالي 1000 امراة ايزيدية من ضحايا داعش الى ألمانيا للعلاج مع عوائلهن، إلى نهاية 2015. تشرف على تنفيذ هذا البرنامج منظمة الجسر الجوي العراقي الالماني التي تهتم باختيار الحالات وتسفيرها. حتى الآن، تم تسفير 500 بنت على وجبات وتبلغ كلفة المشروع 30 مليون يورو.
"عند وصولهن إلى ألمانيا، يتم منحهن اقامة لمدة سنتين ويُوفر لهن السكن والمعيشة والراتب والعلاج الطبي والنفسي"، يوضح الدكتور ميرزا بناوي، مدير المنظمة، مؤكدا أن "أكثر ما تحتاج اليه اغلب الناجيات اللواتي سافرن، هو الخروج من الجو الذي كن يعشن فيه في العراق، حتى تشعرن بالامان والاستقرار".
بعد السنتين، للناجية الحرية في العودة الى العراق او البقاء، حيث تتمتع باقامة دائمة في المانيا.
اختيار الحالات التي يتم تسفيرها يكون عبر جملة من المقاييس التي يحددها البرنامج وتُعطى الاولوية إلى "النساء اللواتي كن أسيرات في أيدي مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" ونجحن في الهرب، بمعنى
النساء اللواتي هن في حاجة إلى حماية، أو تعرضن لصدمات نفسية أو أصبن بمرض آخر نتيجة الأسر"، حسبما حدده إلهان كيزيلهان، المعالج النفسي الأماني والخبير في مجال الصدمات النفسية الذي يسافر باستمرار الى العراق ليشرف على هذه العملية، وذلك في تصريحه لقناة دوتشيه فيليه الالمانية.
تعتبر الدكتور نغم نوزاد وهي ايضا متطوعة في منظمة الجسر الجوي ان هذا البرنامج كان له آثار ايجابية على الناجيات اللواتي تم تسفيرهن الى ألمانيا، حيث تقول: "لاحظنا انهن ارتحن نفسانيا بشكل كبير وخف عندهن الشعور بالقلق والخوف، نتيجة الاحساس بالامان". وتضيف " في العراق، كان وضعهن المعيشي صعب جدا، حيث يحاولن ان يهربن من نظرة المجتمع، كما أن في داخل كل واحدة منهن شيء ما انكسر، لذا، فعندما تسافرن، تكون عندهن فرصة لنسيان ما حصل معهن والاهتمام باشياء اخرى كالعودة إلى الدراسة أو تعلم اللغة الالمانية أو دخول دورات لتعلم نشاط ما".
فاتن (اسم مستعار) ، 17 سنة، هي احدى الناجيات التي تم تسفيرهن الى ألمانيا ضمن هذا البرنامج لكنها عادت بعد شهرين الى العراق لتكون قريبة من عائلتها، خاصة وانها الوحيدة التي بقيت لأمها وأبيها، بعد ان قتل داعش الباقين من أهلها.
عن تجربتها في مدينة شتوتغارت الألمانية تروي قائلة:" حالما وصلنا ، انا والفتيات اللواتي اتين معي في نفس الوجبة، تم اجراء فحوصات طبية ونفسية كاملة لنا، ثم تم اعطاؤنا راتبا شهريا وبطاقات مجانية لركوب القطار وقيل لنا انتن احرار اذهبن حيث تردن!"
فاتن سكنت في مبنى خصص للناجيات مثلها وقد كانت تتقاسم غرفتها مع بنت أخرى. هذا ساعدها ان تكون مع فتيات في مثل وضعها، تتلقى معهن العلاج النفسي خلال الجلسات العلاجية الجماعية التي كانت تنظم لهن، وتتجول معهن في المدينة وتتقاسم معهن همومها واشتياقها الى اهلها.
هي تفكر حاليا في العودة الى ألمانيا لأنها لم تعد تتحمل العيش في نفس الظروف التي كانت تعيش فيها سابقا في العراق، حيث يذكرها كل شيء بمعاناتها. وهي تأمل أن تجد حلا لتأتي بأمها وابيها ليبقوا معها.


التجنيد من قبل حزب العمال الكردستاني
كل الناجيات لم تتوفر لهن فرصة مغادرة العراق مثل فاتن وغيرها لأن البرنامج لن يشمل في الأخير سوى 1000 امرأة وهو عدد غير كاف.
لذلك، فإن الكثيرات استسلمن لإغراءات حزب العمال الكردستاني الذي ينشط في منطقة سنجار الحدودية بين العراق وسوريا، حيث يستغل وضعهن ومأساتهن ليقوم بتجنيدهن، ويخبرهن بأنه سيعلمهن كيف يحمين انفسهن وينتقمن من داعش بالقتال في صفوفه في منطقة سنجار.
تتواتر القصص عن فتيات ايزيديات ناجيات تركن المخيمات للالتحاق بوحدات حماية المرأة في سنجار التابعة لحزب العمال وهي قوة عسكرية نسائية تأسست في 25 يناير 2015 خاصة بالنساء الايزيديات. ويتم التحاقهن بها، في العديد من الاحيان، دون علم الأهل. 
ما شجع حزب العمال على تجنيد الايزيديات الناجيات هو مساهمته في انقاذ العديد منهن، خاصة اللواتي كن في ايدي داعش في سوريا. تروي جيمن عبد العزيز، مديرة مركز جيندا،  قصة احدى الناجيات التي ساعدها مقاتلوا حزب العمال على الهرب من داعش مع بنتين اخريين وقد كن في سوريا،  ثم طلب منهن الالتحاق بهم ولكن هذه الفتاة طلبت فرصة بثلاثة ايام لرؤية اهلها في العراق ولم ترجع اليهم، بل بقيت في احدى المخيمات في دهوك.
في جبل سنجار، مجموعة من النساء الايزيديات يبنبن مقرا للمراة الايزيدية وسط مساحات شاسعة من الارض الجرداء. تتم عملية البناء تحت اشراف احدى مقاتلات حزب العمال الآتية من سوريا خصيصا لتدريبهن.
في أسفل الجبل، مجموعة اخرى من النساء بالزي العسكري تتراوح أعمارهن بين 16 الى 24 سنة، يحرسن مقرهن. انشطتهن تتوزع بين التدرب على القتال ومهام الحياة اليومية حسبما تقتضيه الحاحة.  
 لا تنكر مسؤولات وحدات حماية المرأة انهن يقمن بتدريب الايزيديات من سنجار وغيرها على القتال ليلتحقن بعد ذلك بالحبهات في الحرب مع داعش، لكنهن ينكرن أنهن يقمن بتجنيد الناجيات ويؤكدن ان من يلتحقن بهن يأتين باختيارهن، حيث تقول هيزل إحدى المدربات، "تأتينا ايزيديات من المخيمات يواجهن ضغوطا نفسية، ويتصلن بنا بشكل كبير، يردن الانضمام الينا. وبما أنهن يجدن صعوبات في تحدي العادات والتقاليد السائدة التي تمنعهم من الالتحاق بنا، فنحن نساعدهن على المجيء ونسهل لهن ذلك".
من جهة أخرى، تعترف المسؤولات أن تجنيد الايزيديات اصبح اسهل من قبل بسبب المأساة التي تعرضن اليها في سنجار. تقول هدار، احدى الكوادر في وحدات حماية المرأة بسنجار: "قبل المجزرة، كان من الصعب الوصول اليهن لأن العائلات معترضة، فكنا نأخذ بعضا منهن ندربهن على السلاح ببيوتهن، بشكل سري او في مكان ما، ولكن بعد ما حصل في سنجار، اصبح المجال مفتوحا وصرنا نقدر أن نأتي بهن الى هنا (جبل سنجار) وندربهن".
كولان، 17 سنة، هي احدى المجندات الايزيديات، ترى ان واجبها هو "القتال لرفع الظلم عن المرأة والدفاع عن الوطن"، مؤكدة انها لم تشارك في المعارك الى حد الآن ولكنها "ستقاتل اذا تطلب الأمر ذلك".  
بين مطرقة داعش وسندان حزب العمال، تجد الايزيديات الناجيات أنفسهن ضحايا لقوى ومصالح تتجاوزهن. في الاثناء، يحاولن جاهدات تجاوز ما تعرضن له والبدء من جديد. هكذا تسعى أميرة ان تستصدر بطاقة هوية وشهادة جنسية حتى تستطيع الحصول على جواز سفر يمكنها من السفر خارج العراق، حيث صار كل شيء يذكرها بمأساتها.

انجز التحقيق بدعم من شبكة نيريج للصحافة الاستقصائية