أربعة آلاف قاصر جندهم داعش من السجون والمدارس والمساجد، ينتظرون دورهم "بالجهاد"


29/11/2015
عباس سرحان
دخلت سيارة بيضاء اللون نوع تويوتا تحمل راية "الدولة الاسلامية" حي المطاحن الشعبي غربي مدينة الموصل وتوقفت وسط زقاق ضيق مكتظ بالسكان. ترجل منها ثلاثة مسلّحين، تجمهر حولهم الأهالي متوقعين أن يسمعوا خبراً هاماً. صدقت الظنون عندما طرقوا باب منزل فلاح عبيد. 
"مبارك يا شيخ!" قال أحد الثلاثة وهو رجل ضخم ملتحٍ لصاحب المنزل ويده اليمنى تربت على كتفه. "ولدك رفع رأسك.. استشهد مقبلاً غير مدبر وسيكون شفيعاً لك إنشاء الله عند ربّ العالمين". ساد الصمت ودخل الأب مطأطئ الرأس ليعلو بعد قليل صراخ الأمّ والأخوة في الداخل.
بهذه الطريقة أبلغ تنظيم "داعش" عن مقتل سالم فلاح عبيد في منتصف أيلول (سبتمبر) 2015، ما يذكّر بعراق الثمانينات، عندما كان مجرّد ظهور سيارة عسكرية في حيّ سكني نذير شؤم أو نظيراً للافتة نعي.
لم ينه سالم ذو الـ 16 عاماً دراسته الابتدائية، فهو الابن الخامس لعائلة نزحت من قضاء سنجار إلى حي فقير في الموصل (مركز محافظة نينوى) عام 2009 إثر موجة جفاف ضربت المحاصيل الزراعية آنذاك. قبل سيطرة "داعش" على الموصل كان الصبيّ يعمل في ورشة صغيرة لانتاج الأدوات البلاستيكية يملكها أحد معارف والده. يصفه صاحب الورشة بأنه كان "خدوماً ومهذّباً، خفيض الصوت وخجول الطبع"، لكن سلوكه ومظهره بدأ يتغير قبل أن تبزغ ذقنه. 
في أواخر العام 2014 ترك العمل وأطال شعره وارتدى اللباس الأفغاني -وهو كناية عن قميص طويل يصل حدّ الركبة تحته سروال فضفاض- وبدأ يتولى مهام داخل المدينة ضمن ما يسمى بالشرطة الاسلامية. "صار يتردد أحياناً على المعمل لإلقاء السلام لا أكثر"، يتابع ربّ عمله السابق.
في مجلس العزاء الذي أقيم لسالم في الحي، لم يكن حاضراً من الصبيّ سوى اسمه وصورته الشبحية التي ما زالت حاضرة في أذهان عائلته واقربائه وأصدقائه. أما جسده، فكان قد تطاير إلى أشلاء واختلط بالأتربة وحديد المحركات، فقد نفذ عملية انتحارية بمركبة ملغومة عند مصفاة بيجي في محافظة صلاح الدين، قبل يومين فقط من وصول الخبر إلى أهله.
جاره الذي كان حاضراً مراسم العزاء المتواضعة يقول إن سالم وزع حلوى "السّجَق" في الحيّ قبل أسبوعين من مقتله فرحاً بظهور اسمه في قرعة الانتحاريين. "لقد كان سلوكه مفاجئاً لنا. ظنناه يتفاخر فقط ولم نعتقد أنه سينفذ فعلاً عملية انتحارية".
هذا الصبي واحد من مئات الأطفال والمراهقين، يجنّدهم تنظيم "الدولة الإسلامية" المعروف إعلامياً بـ"داعش" بأساليب مبتكرة ويستخدمهم وقوداً في حربه، منذ أن فرض سيطرته على أجزاء واسعة من شمالي وغربي العراق في حزيران (يونيو) 2014 وأزال الحدود مع الجارة الغربية سوريا.

الدفعات الأولى
تضم نينوى نحو مليون ونصف المليون ممّن تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً، نصفهم تقريباً من الذكور. من بقي من هؤلاء في المناطق الخاضعة لسيطرة داعش صاروا هدفاً للتنظيم منذ اليوم الأول، اذ عمل على تجنيدهم واستخدامهم في مهمات عسكرية شتّى تحت مسمّى "أشبال الخلافة". 
يكشف أبو عبيدة، وهو خطيب مسجد شرقي الموصل كان قد بايع "داعش" حفاظاً على حياته ويتولى تدريس نحو ثلاثين طفلاً "العلوم الشرعيّة"، أن أول دفعة متطوعين دون سن الـ 15 عاماً انطلقت من الموصل إلى مدينة الرقة السورية مطلع تموز (يوليو) 2014.
يقول: "يومها لم تكن هناك مقرّات تدريب على الأراضي العراقية، فصدر قرار بإرسالهم إلى معسكر قرب سدّ الطبقة السوريّ وجميعهم كانوا أقرباء أو أبناء لمقاتلين شاركوا في عملية اقتحام المدينة أو سجناء سابقين في قضايا إرهاب أطلق سراحهم". 
من بين هؤلاء حاتم، عمره اليوم 15 سنة، لديه أشقاء ثلاثة من المعروفين سابقاً بنشاطاتهم في التهريب عبر الحدود السورية- العراقية، وقد تولوا بعد الإعلان عن "دولة الخلافة" وظائف في "ديوان الحسبة". أمضى هذا الصبيّ ثلاثة أسابيع في سوريا عاد بعدها بهيئة جديدة محاكياً جنود "داعش" في الزيّ وطريقة الكلام. فارتدى اللباس القندهاري وكنّى نفسه بـ "أبي سعد". يقول أحد أقربائه إن شخصية حاتم تغيرت بسرعة عند عودته. "بات أشد ثقة بنفسه، يتصرف وكأنه رجل بالغ، يشارك في مجالس العزاء ويواظب على التواجد في المسجد، ويتحدث إلى رجال بعمر والده، يعظهم ويأمرهم بتقوى الله".
خلال هذه المدة القصيرة حفظ حاتم أجزاء من القرآن الكريم، وتعلم قيادة السيارات، فصار يجول الحيّ بسيارةٍ رباعية الدفع مستعرضاً مهارته في القيادة. كما أن موهبته في الخطابة برزت، فصار يرافق وفود ديوان الدعوة والمساجد في زيارات إلى المدارس الابتدائية لحثّ التلاميذ على المبايعة مستشهداً بنصوص دينية يردّدها بطلاقة. يتابع قريب حاتم: "الطريف في الأمر، أن الصبي عندما يتحدث إلى أترابه ممازحاً، يطعّم حديثه بكلمات من اللهجة الشامية".
يونس الجبوري، ضابط شرطة برتبة مقدم، أكد هو الآخر ان الدفعات الأولى من المتطوعين تم التقاطها من السجون ومن أقرباء القيادات الإرهابية. فبقدر تعلق الامر بمحافظة نينوى فإنه حتى حزيران (يونيو) 2014 كان في الموصل أكثر من 500 سجين وموقوف حدث (دون 18 عاماً)، 65% منهم مدانون بالإرهاب وفق الإحصائية ذاتها. "المشكلة ان نسبة كبيرة منهم كانوا أبرياء اعتقلتهم الأجهزة الامنية لابتزاز عائلاتهم والإفراج عنهم مقابل مبالغ مالية" يوضح. "ولأنه لم يكن ثمة عزل بين السجناء والموقوفين بقضايا إرهاب صار من السهولة تجنيد المزيد من المراهقين".

جيش الأئمة
استغلال الأطفال وقوداً للحركات الجهادية ليس جديداً في العراق. من الممكن العودة عشر سنوات إلى الوراء عندما أعلنت خلايا "القاعدة" في ديالى شمال بغداد تشكيل تنظيم "طيور الجنّة" المكوّن من أولاد "العائلات القاعدية". هؤلاء الأطفال شاركوا سنتذاك في عمليات استخبارية وأخرى انتحارية وتم اعتقال العشرات منهم.
بعد أسابيع من سقوط الموصل أشارت وثيقة مسربة بعنوان "مبادئ في إدارة الدولة الإسلامية" إلى مدى اهتمام "داعش" باستكمال المشروع القديم. افتتح قيادي يدعى "أبو عبدالله المصري" الوثيقة بالتأكيد على "مراعاة التغيير التربوي والاجتماعي" الذي حصل بعد "الفتح"، ووصف بشكل مفصّل أهمية بناء معسكرات للأطفال تؤهلهم دينياً وعسكرياً. 
لم يكتب "المصري" ورقته تلك لو لم يكن "ديوان الدعوة والمساجد" التابع للدولة الاسلامية قد وضع يده على المنابر الدينية في كافة أرجاء المحافظة. هكذا وفي غضون أسابيع قليلة تمكن الديوان من تشكيل جيش من الخطباء والأئمة الموالين أو الراضخين، يدرّسون في الدورات التي تشتهر الجوامع بتنظيمها للأطفال والمراهقين بشكل دوريّ وخلال العطل الصيفية.
أحمد الجبوري، مدرس سابق في جامع "فتحي العلي" غربي المدينة، يقول إن الديوان بدأ نشاطه مع حملة اعتقالات واسعة طاولت أئمة الجوامع الأعضاء أو المقرّبين من الحزب الاسلامي (جزء من حركة الإخوان المسلمين). "هؤلاء كانوا يسيطرون على جلّ المناصب الدينية في المحافظة وعلى الدورات الدينية الخاصة بالأطفال". 
وما زالت حملة الاعتقالات لمن يخرج عن الخط مستمرة إلى اليوم، وكان آخر ضحاياها في شهر حزيران (يونيو) 2015 ستة أئمة جوامع تم اعتقالهم واقتيادهم إلى جهات مجهولة.
يؤكد الجبوري أن توجيهات واضحة تلقاها خطباء المساجد في الموصل بدءاً من أيلول (سبتمبر) 2014 باستخدام مصطلح "أشبال الخلافة" في خطب الجمعة. "في هذا الشهر أيضاً أعلن عن افتتاح معسكرات تدريب الأشبال في محافظتي نينوى والأنبار وانخفضت عمليات إرسال الأطفال إلى الرقّة وصارت تقتصر على حالات خاصة فقط".
مجتمع داعشي
تلقى الجبوري العلوم الدينية في جامع "فتحي العلي" الشهير طوال ثمان سنوات، وصار بعدها مدرساً فيه. وهو يفسر سرّ اهتمام "داعش" بالمساجد، بأن نينوى تحتل المركز الأول على مستوى العراق من ناحية عدد المساجد والجوامع فالمسجل رسميا هو 2217، ويتساءل: "ترى، أي وزارة إعلام ستكون أقوى من هذه؟".
لزم هذا الرجل بيته بعد أن طُلب منه تدريس الأطفال كتاب "نواقض الإسلام العشرة" لمحمد بن عبد الوهاب. فهو يرى أن مناهج الدورات الحالية تركز على التكفير على الشبهات ويصفها بـ "ماكينة لغسيل دماغ". فمن مجموع 140 صبيّاً شاركوا في دورات جامع فتحي العلي الصيف الماضي انتقل نحو 15 إلى معسكرات للتدرب على السلاح وبايعوا التنظيم.
يتابع أن "أشبال الخلافة" هدفه في نهاية المطاف ليس تجنيد الأطفال وحسب، بل تكوين "مجتمع داعشي" بالكامل. "إنهم يستخدمون الأطفال كي تصبح جميع الأسر والعشائر والقرى مرتبطة بالتنظيم ومتورطة في أعماله".
من السهل ملاحظة هذه الإشارة إلى "المجتمع الداعشي" في أجزاء من مدينة الموصل، خصوصاً عند حلول مواقيت الصلاة، إذ يقدم إلى المساجد مئات الأطفال بالزي الأفغاني صحبة آبائهم. 
في حي الزنجلي أحد المناطق الشعبية المكتظة غربي المدينة، تتلاصق البيوت الاسمنتية بكثافة إلى جانب بعضها البعض يقطنها فقراء ومتوسطو الدخل. ورغم ذلك تبدو الشوارع هادئة في أيام الجمع. هناك تعرّف معدّو التحقيق في جولة واحدة قبل صلاة الجمعة في شهر آب (أغسطس) 2015 إلى 23 صبياً من المبايعين، تخرّجوا في دورات شرعية وعسكرية، منهم تسعة أطفال كانوا من المواظبين سابقاً على المشاركة في دوريات كرة القدم للفرق الشعبية. 
الطريق الذي يوصل سمير حمادي (13 عاما) الى ملعب الكرة القريب من منزله هو ذاته الذي كان يقوده الى جامع الهدى في منطقة الزنجلي حيث التقطته شباك "داعش". فمنذ أن بلغ السبع سنوات وهو يرافق والده الى صلاة الجمعة، فالعائلة متدينة والأب كان يؤذن في الجامع ويؤم المصلين. 
سمير يجسد جزء من تناقض تعيشه المدينة. التنظيم قتل والده قبل ثلاث سنوات بتهمة الترويج للانتخابات، ورغم ذلك انتمى إلى "اشبال الخلافة" بتأثير رفاق الكرة والجامع الذين كان يقضي معهم وقتا أطول مما يقضيه في البيت ليس فقط لانه يتيم الأب بل لأن هذا ما يجري في المناطق الشعبية.
أحد المدرسين في الدورات الدينية التي كان ينظمها جامع الهدى وشارك فيها سمير لثلاثة مواسم قبل سيطرة "داعش" على الموصل، يقول بان "مبايعة "داعش" باتت اخر الصيحات التي تجذب المراهقين"، مضيفا، "عندما اردت اقناع الطفل بالعدول عن المبايعة بحكم علاقتي بعائلته أجابني: عمو يجب ان نذهب جميعنا الى الزر لان الله سيكون في استقبالنا"، وكان يقصد الزر الذي يضغط عليه الانتحاري ليفجر سيارته أو حزامه الناسف.
صالح الذي لم يتجاوز 14 عاما كان من فريق حي الزنجلي أيضاً لكرة القدم، اعتاد قضاء معظم يومه خارج المنزل واللعب مع رفاقه خاصة بعد توقفه عن الدراسة كآلاف الطلاب. وقبل أربعة شهور خرج ولم يعد. 
يقول أبوه: "افتقدناه فبحثت عنه في المستشفيات والطب العدلي ومخفر الشرطة الإسلامية القريب ولم أجده. أمضيت الليلة دون نوم، وفي اليوم التالي تأكدت أنه التحق بمعسكر التدريب في قضاء البعاج حيث المنطقة الصحراوية". 
يتابع الوالد: "قصدت المعسكر صحبة قريب لي تربطه صداقة قديمة بأحد قياديي داعش هناك". ومضى يقول: "تمكنا من لقاء القيادي وطلبنا منه إعادة ابني. خرج الرجل بمفرده وبعد ساعة عاد ومعه صالح الذي كان متعباً، وعندما رآني علت وجهه ابتسامة عريضة. لحسن الحظ أنه لم يبايع بعد وإلا كان صعباً علينا استرجاعه".

آلية التطوع
منذ أن آل الأمر لـ "الدولة الاسلامية" تولى "ديوان الجند" تنظيم عملية التطويع وتدوين أسماء المقاتلين وتوزيعهم على جبهات ولايتي نينوى والجزيرة   (أي محافظة نينوى) على طول خطوط التماس مع القوات الكردية التي تمتد لأكثر من 250 كم، وتضم جبهات يفوق عددها 15، فضلا عن إرسال مقاتلين إلى جبهات ولايات الأنبار وصلاح الدين وكركوك.
لكي يتم قبول صغار السن لا بد أن يحصلوا على تزكية أحد عناصر التنظيم، وغالباً ما يكون مقاتلاً أو إمام مسجدٍ، فالتطوع عادة يتم عبر الجوامع حيث يجرى استقبالهم وإرسالهم الى معسكرات التدريب.
يقول محمد الطائي أحد رواد جامع "الأوابين" في حي 17 تموز غربي الموصل، "أصبح معروفا لمن يرغب بالتطوع الحضور بعد صلاة الجمعة، لتسجيل أسمائهم والحصول على موعد الالتحاق".
سعد ثابت (15 عاما) حضر مع سبعة من أصدقائه في الموعد المحدد مطلع حزيران (يونيو) الماضي. بعد قليل عصبت أعينهم ووضعوا في باص متوسط الحجم لينطلقوا إلى وجهة يجهلونها وفق القصة التي سمعها معدو التحقيق من شقيق المتطوع. طوال الطريق الذي قطعوه بأقل من ساعة ونصف كانوا يستمعون إلى أناشيد "الدولة الاسلامية والجهاد وقتال الكفار". توقف الباص وبدأ احدهم بتحرير أعين المتطوعين الصغار، ورحب بهم: "أهلاً باشبال الخلافة".
المكان الذي وصفه الشاب هو "معهد عبدالله بن عمر" الذي يحاكي الأكاديميات العسكرية كونه يمزج بين الدروس النظرية الدينية والتدريبات العملية على السلاح والقتال. مضى على تأسيسه اكثر من سنة ويشغل بناية جديدة لمدرسة في مركز قضاء تلعفر. ما يميز هذا المعهد أنه يضم متطوعين من مختلف الجنسيات والغالبية فيه تركمان، وهو بحسب المصادر "معروف بالالتزام العالي والتدريبات القاسية والتنظيم والدقة في المواعيد، وتتراوح الدورات فيه بين شهر الى شهرين".

يوم في المعسكر 
فور وصوله، ملأ سعد مع بقية المتدربين استمارات المعلومات الشخصية والتحصيل الدراسي والمهارات الرياضية ومدى الخبرة في استعمال السلاح. تضمنت أسئلة الاستمارات أيضاً معلومات تفصيلية عن العائلة وإن كان أي من أفرادها مبايعاً للتنظيم أو يشغل وظيفة في "الدولة". بعدها تم انتزاع هواتف المتطوعين المحمولة، ووزعت عليهم بزّات رمادية مرقطة موافقة لمقاساتهم.
"في هذا المعهد لا ينادى الأطفال بأسمائهم إنما يكون لكل منهم كنية ترتبط باسم العشيرة أو القرية أو المدينة"، يوضح شقيق سعد الذي تحدث إلينا دون أن نفصح له عن هويتنا كصحافيين. وتابع أن اللغة السائدة هي العربية ثم التركمانية حتى خلال التواصل مع أطفال من جنسيات أخرى. "الجميع يحاول تدبر أمر الحديث باللغة العربية ولو بركاكة".
بدأ نشاط الطفل المتطوع منذ اليوم الثاني لوصوله مع استيقاظه لأداء صلاة الفجر (الساعة 3 فجرا تقريبا عندما كان سعد يتدرب هناك)، يليها استراحة، ومن حصة التدريب البدني ثم تناول الفطور، فتمارين الفنون القتالية. وعند الظهر يصلّي الصبيان جماعةً، ثم تأتي فترة راحة لنحو ساعتين. 
في قاعات تشبه صفوف المدارس الحكومية لكن بتجهيزات ووسائل عرض أفضل، يكون التركيز في الدروس الشرعية على العقيدة السلفية التكفيرية، وأبرزها مقرر في التوحيد والفقه السلفي وفقه الجهاد، وهي إصدارات خاصة بمعسكرات "داعش" أعدتها "هيئة البحوث والإفتاء في الدولة الاسلامية". 
بعد صلاة العصر يبدأ التدريب على استعمال الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ثم تلقى الدروس الشرعية مجدداً بعد تناول وجبة العشاء. ويفرض على المتدرب ان يحفظ ما لا يقل عن جزء واحد من القرآن (20 صفحة) خلال الدورة، ولم يجد ثابت صعوبة في انجاز المهمة بل انه حفظ صفحات اضافية مستغلا وقت الفراغ قبل ان تدق ساعة النوم في المعسكر وهي العاشرة ليلاً.
وعند وصول البرنامج إلى مراحله النهائية يقسم المتطوعون حسب قدراتهم ومهاراتهم إلى مجموعات: القوات الخاصة، والدفاع الجوي، وكتيبة القنص، وجيش الخلافة، وجيش العسرة وغيرها من الصنوف. 
يوضح شقيق سعد ان القوات الخاصة تشكل لأداء مهام نوعيّة كالقتال في الأماكن والظروف الصعبة. ويقوم الصبيان في هذه المجموعة بمزيد من التدريبات البدنية القاسية على الاقتحام وقواعد الاشتباك، كالقفز وتسلق الأبنية والزحف بين النيران وتحت الأسلاك الشائكة. بينما تتدرب فرقة الدفاع الجوي على استخدام مضادات الطيران، وكتيبة القنص على تكتيكات حرب الشوارع والتعامل مع أسلحة القنص، أما جيش الخلافة فهو "جيش داعش الاعتيادي" ويضم كتيبة الانغماسيين (الانتحاريين) وصنوف أخرى كالدرع والمشاة وغيرهما. 

لا تراجع
التوزيع إلى هذه الاصناف يجري بما يتناسب ومؤهلات كل صبيّ. ويرسل أضعف الأطفال بنيةً جسمانية إلى جيش العسرة، وهي القوة التي يشكّلها التنظيم عند الحاجة لإسناد جيش الخلافة، وتشبه قوات الاحتياط لدى الجيوش النظامية. 
ثابت الذي أثبت مهارة بدنية واضحة خدم في جيش الخلافة وشارك أكثر من مرة بهجمات ضد قوات البيشمركة الكردية في ناحية بعشيقة شمالي نينوى، وتم نقله بعد إصابته بجروح بليغة في ساقه ويده اليمنى إلى المحكمة الشرعية ليؤدي فيها مهمة إدارية. 
بعد انتهاء الدورة التدريبية يرسل المتطوعون إلى عوائلهم لمدة أسبوع على أن يعودوا بعدها لأداء البيعة، وتسمى "بيعة الموت" أي القتال من أجل الدولة الإسلامية حتى الموت، ويتم توزيعهم بعدها على القواطع في الجبهات، أو في دواوين الدولة الإسلامية او الهيئات الشرعية.
ليس جميع الأشبال يعودون لأداء البيعة، فقد عاد خمسة من مجموعة المتطوعين الثمانية وأحدهم سعد الذي وصف لعائلته أجواء البيعة قائلا: "خرجنا من المعسكر الى بستان قريب وكانت اصوات الأناشيد الحماسية تصدح من مكبرات الصوت وتحت شجرة عملاقة رددنا خلف أحد المدربين البيعة لأبي بكر البغدادي والدولة الاسلامية ملوحين باصابع السبابة في الهواء، ونحن نذرف الدموع". ولما سجله من اندفاع وشجاعة في القتال حصل سعد، اضافة الى الراتب الذي يقدر بـ150 ألف دينار (نحو 120 دولار) على كمية كبيرة من الغنائم متمثلة بالاثاث والمشتقات النفطية الى جانب أولوية في العلاج لعائلته في مستشفيات الموصل.
سبق وأن سجلت حالات أخرى لأطفال خضعوا للتدريبات لكنهم تركوا "داعش" بعد ذلك وعادوا لحياتهم الطبيعية. وقد درج التنظيم على التعامل مع هذه الفئة بتهاون في بداية سيطرته. لكن مع التشديدات الأخيرة التي بدأ يفرضها على المتطوعين الجدد صار الأمر أكثر خطورة. 
فعندما قرر فتحي الحديدي ترك التنظيم وذهب ليسلم مسدسه الذي بذمته، فرض عليه مسؤوله عقوبة العمل لمدة شهر كامل في حفر الخنادق. الحديدي الذي يبلغ من العمر 14 عاما وكان قد تخرج من معسكرات البعاج، قضى بقصف لطائرت التحالف الدولي قريباً من قضاء تلكيف شمالي الموصل، حيث استهدفت الطائرات آليات الحفر في الثاني من شهر أيلول (سبتمبر) 2015. 
يقول أحد اقاربه يدعى أبو عبدالله "إن الطفل ذهب ضحية تصرّف متهوّر عندما ركب موجة داعش، وقد بذل أبوه جهداً كبيراً لإقناعه بالعدول عن قراره.. لكن بالنهاية لم ينجُ المسكين". ويضيف، "إن عائلته فقيرة إلى درجة أنها لم تستطع إقامة مجلس عزاء له".

معسكرات أخرى
فضلاً عن معسكر عبدالله بن عمر، تشير المعلومات التي حصلنا عليها إلى وجود أربعة معسكرات كبيرة، بعضها اتخذ صفة متنقّلة تجنّباً لضربات قوات التحالف. في مطلع آب (أغسطس) 2015 نشر التنظيم فيديو إعدام الشاب حاكم سوعان الشمري بتهمة تزويد التحالف الدولي بإحداثيات ومعلومات عن مقار التنظيم. الشمري كان يقيم في قضاء البعاج (120 كم غرب الموصل) بمحاذاة الحدود السورية، وهو منطقة عشائرية فيها قبائل الجبور والجغايفة والخواتنة وشمر وغيرها. 
نفذ الإعدام طفل يبلغ من العمر 14 عاماً أطلق النار على رأس الضحية من مسدس. وتلقى هذا الطفل تدريبات في معسكر البعاج على استعمال الاسلحة من قبل، وهو المعسكر الثاني من حيث الأهمية لإعداد "أشبال الخلافة". فيما بعد اضطر تنظيم داعش إلى تغيير مقر المعسكر أكثر من مرة، وما زال يقوم بذلك إلى اليوم، لكن ضمن نفس القضاء.
وهناك أيضا معسكر أبي مصعب الزرقاوي الذي أنشئ في أيلول (سبتمبر) 2014 بمقر فوج طوارئ شرطة نينوى السادس في منطقة الغابات شمالي الموصل، حيث مساحة واسعة تقدر بـ 800 دونماً من الاشجار الكثيفة. 
وفق أحد عناصر "داعش" يكنى أبو الوليد، فإن الوجبات الأولى من المتطوعين تلقوا تدريبات أساسية في هذا المكان. لكن ضربات التحالف الدولي الجوية أدت إلى اغلاقه في ايلول (سبتمبر) 2015. وهناك معسكر الكندي في منطقة الحدباء شمالي الموصل، بمقر قيادة الفرقة الثانية من الجيش العراقي، ونقل المتدربون فيه إلى مقر آخر بعد غارة جوية عنيفة في نيسان (أبريل) الماضي. 
أما رابع المعسكرات أهميّة، فهو معسكر "سلطان أبي أحمد الجبوري" جنوبي الموصل، ويعد من أول المعسكرات التي افتتحها التنظيم في ناحية الشورة معقل الجهاديين منذ عام 2005، وأنشأه بداية في ثكنة عسكرية كانت سابقاً بناية لكلية الزراعة والغابات في ناحية حمام العليل التي تجاور ناحية الشورة.
في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2014 التحق نحو 100 متطوع بأعمار مختلفة بهذا المقر التدريبي. "لم يمض أسبوع واحد حتى سمعنا دوي انفجارات قوية هزت المنازل، ثم شاهدنا أعمدة دخان متصاعدة. وأسفر القصف عن قتل نحو 70 متطوعاً بينهم صبية لا تتعدى أعمارهم 12عاماً" يقول علي سلامة الجبوري أحد سكان ناحية الشورة. ويضيف "منذ ذلك الحين نقل المعسكر إلى موقع آخر وتجرى بعض التدريبات البدنية في العراء وبعيداً عن أعين الناس، لتجنب القصف".
ووفقاً لتحقيق نشر في صحيفة "الحياة" فإن تل عفر مركز التركمان في العراق تضم ثلاثة معاهد أخرى على الأقل غير معروفة الأسماء لتدريب الأطفال، ويتواجد فيها إيزيدون خطفهم "داعش" من قضاء سنجار غربي الموصل في آب (أغسطس) 2014. وبحسب ما أكد النائبان الايزيديان في البرلمان العراقي فيان دخيل وشيخ شامو شيخو فإن هناك نحو ألف طفل ومراهق ايزيدي يتعامل التنظيم معهم على أنهم ملك له، يوزعهم على مقاتليه أو يبيعهم أو يجندهم، ويقوم بتدريبهم عسكرياً في مدينتي تلعفر العراقية والرقة السورية.

عيون الدولة 
إمام جامع في شرقي المدينة، وهو من مبايعي التنظيم أيضاً، كشف أن توجهاً جديداً برز في الآونة الأخيرة مع تزايد ضربات التحالف، بفصل "الدروس الشرعية" عن التدريبات القتالية في بعض المعسكرات، اختصاراً لمدة الدورة ووقت التواجد الميداني في المعسكر. يقول الرجل إن "آخر دفعة من المتطوعين الأطفال تخرجت من دورة شرعية كانت في النصف الأول من شهر أيلول (سبتمبر) عام 2015 وعددهم 150 تلقوا التدريب الشرعي في كلية الإمام الاعظم في الحي الزراعي شمالي الموصل، ثم انتقلوا إلى معسكر آخر لاستكمال الدورات العسكرية". 
وقد رصد معدو التحقيق بعض الأماكن التي تدرب فيها الأطفال على السلاح بشكل مؤقت وهم يرتدون أقنعة قماشية سوداء تغطي كامل رؤوسهم وبزات رمادية أو سوداء اللون، وأبرزها معمل الألبسة الجاهزة في منطقة المنصور جنوبي المدينة، وثلاثة مواقع في غابات الموصل.
وعلى الرغم من أن معسكرات "الأشبال" التي وصفتها المصادر لا تضم برنامجاً مخصصاً للمهام الاستخبارية، إلا أن الصغار يتولون تلقائياً هذا النوع من الأعمال الأمنية لصالح "داعش" ويطلق عليهم اسم "العيون" وهي تسمية إسلامية قديمة. 
يؤكد أستاذ سابق في جامعة الموصل أن "الأطفال المتخرجين من المعسكرات يعدّون الإخبار عن أعداء الدولة واجبٌ شرعي"، ويقول إن صديق له اعتقلته "داعش" بتهمة سب الذات الالهية، وعثرت عائلته عليه بعد أسبوعين جثة هامدة في ثلاجات الطب العدلي. يذكر الأستاذ الجامعي أن عائلة الضحية كشفت هوية المخبر وهو طفل من أقربائها عمره 15 عاماً، لكنها غير قادرة على محاسبته، "انها تؤجل ذلك الى ما بعد تحرير الموصل".
يزيد خطيب الجامع أبو عبيدة على كلام الاستاذ الجامعي بالقول إن الكثير من الأشخاص اعتقلهم التنظيم وأعدمهم بناء على معلومات مصدرها أطفال. "نحن كمدرّسين نحصي كلماتنا جيداً عند إعطاء الدروس، فحتى الطلاب الذين ندرّسهم يراقبوننا" يقول. وتكون المراقبة بشكل أساسي "على أئمة الجوامع ورجال الدين المعارضين ورجالات العشائر وكل من يشتبه بعلاقته بالحكومة المركزية أو بقوات التحالف".

أبطال العروض
ثمة خطوات مساعدة ابتكرها "ديوان الدعوة والمساجد" لجذب الأحداث وتجنيدهم في صفوفه، منها "القوافل الدعوية" وهي شاحنات ركاب تحمل ملصقات ترويجية تجول الأماكن العامة المكتظة بالناس كالمنتزهات والأسواق، وتؤدي عروضاً في الهواء الطلق أبطالها لا تتجاوز اعمارهم 16 عاماً يرتدون الزي الأفغاني ويحملون الأسلحة، وما أن يتحلق حولهم الأطفال حتى يبدأوا بإلقاء خطب حماسية.
في مدينة ألعاب الموصل، أكبر منتزهات الأطفال في نينوى ويقع في منطقة الغابات، يواظب "الديوان" على تسيير القوافل الدعوية خاصة في العطل والأعياد، يظهر فيها أولاد مدججين بالسلاح يروجون للبيعة والجهاد.
أحدهم كان يصيح عبر مكبرات الصوت فيما يتحلق حوله عشرات الأطفال والمراهقين: "اسمعوا إنني ناصح لكم يجب أن تجاهدوا في سبيل الله وتبايعوا الخليفة". ويأتي من بعده صبي آخر يحاول تقمُص دور أبو بكر البغدادي حتى في ارتداء الساعة بيده اليمنى، ليردد أناشيد حماسية تتغنى بالمفخخات والعبوات والذبح، أما الأطفال الذين هرعوا راكضين باتجاهه فكانوا ينظرون إليه بإعجاب.
يقول أمين مراد موظف في المنتزه إن أعضاء التنظيم ينادون بمكبرات الصوت الأطفال للتوقف عن اللعب والقدوم للمشاهدة، ويستعينون بصبيان يتمتعون بصوت جهوري وبنية جسمانية سليمة وشعر طويل وشخصية مؤثرة لجذب أكبر عدد من المتفرجين. ويتابع مراد: "يتم توزيع الحلوى على الاطفال وتنظيم مسابقة تتضمن الإجابة على أسئلة دينية، وينال الفائزون جوائز عينية كالألعاب والملابس والكتيبات وغيرها".
أحد أبطال العروض كما ظهر في فيديو بثه "داعش" في آذار (مارس) الماضي، طفل يدعى عبيدة (12 عاما). لقد تعرف عليه معدو التحقيق عن طريق أحد اقاربه، فهو ابن قيادي داعشي يدعى أبو أسد العراقي قتل بغارة جوية للتحالف الدولي في أيار (مايو) 2015. ونقلاً عن قريب عبيدة فإن الطفل تلقى تدريباً على إلقاء الخطب الحماسية وحركات هز اليد وفرد السبابة ومهارات التواصل مع الجمهور خاصة صغار السن في المكتب الإعلامي لـ "داعش".

الأجواء مهيئة 
في موزاة القوافل الدعوية، ظهرت النقاط الإعلامية في آب (أغسطس) 2014 وكانت أول مرة أربع نقاط ثابتة في المناطق المتكتظة بالمارة، لبثّ مواد فلمية وصوتية لأناشيد وأخبار عن "انتصارات" جيش الدولة الاسلامية، فضلاً عن توزيع المطبوعات كمجلة "الميسرة" الالكترونية التي أصدرها المكتب الاعلامي لـ "داعش". بعد نحو عام صار عدد النقاط الاعلامية أكثر من سبعين، منها نقاط متجولة، وهي عبارة عن سيارات تحمل شاشات عرض ومكبرات صوت.
نصف هذه النقاط الإعلامية تقريباً أنشئ عند مداخل الأحياء الشعبية الكبيرة حيث يتم نصب غرفة من الصفيح وتثبت شاشات كبيرة على الجدار الخارجي لها وتزود بحاسوب محمول (لابتوب) موصول بمكبرات صوت وتنتشر مجموعة من المقاعد البلاستيكية قبالة الجدار.
منذ أن افتتحت النقطة الاعلامية في حي القاهرة شرقي الموصل، يتردد إليها الكثيرون منهم مراهقون، حتى في أوقات المساء، للحصول على مقاطع لعمليات قطع الرؤوس وبتر الاطراف والإعدامات والرجم بالحجارة وغيرها. 
يقضي محمود ابراهيم (15 سنة) وأصدقاؤه وقتا طويلاً في مشاهدة ما تعرضه الشاشات، فالأجواء مهيئة والمقاعدة وفيرة. كان يمزح مع زملائه ويدعوهم إلى "سينما في الهواء الطلق". يقوم محمود بين فترة وأخرى بتحميل بعض الإصدارات على هاتفه بواسطة شريط "كابل" وبمساعدة أفراد النقطة. 
الصبي ورفاقه كانوا مدمنين على ألعاب الحروب الالكترونية، وبعد ظهور النقاط الاعلامية تحول شغفهم الى افلام حروب حقيقية، وصارت لعبتهم المفضلة مشاهدتها، واذا ما أشاح أحدهم وجهه عن مشاهد القتل والقطع الرقاب والاطراف بطريقة بشعة يصرخون بوجهه ضاحكين: "هي هي جبونة"، كان محمود يروي لشقيقاته.
لم يمض وقت طويل حتى انضم محمود واثنان من أصدقائه لداعش في غفلة من عائلته التي لم تكترث لتحذيرات شقيقته بعدما وجدت ذات مرة هاتفه المحمول محشوا بأفلام "داعش" ومعاركه وأناشيده فضلاً عن صور البغدادي وأبو عمر الشيشاني. 
النقاط الإعلامية توفر أيضاً المقررات الخاصة بمعسكرات التدريب، مثل مقرر "فقه التوحيد والجهاد"، وترشد من يريد التطوع إلى المكان الذي يجب أن يقصده اذا لم يكن لديه صديق في تنظيم يصطحبه بنفسه إلى لجنة التجنيد، كما حدث مع محمود ورفاقه. 

التحول إلى انتحاريين
"أراد الجهاد فمنعته أمه، وذات ليلة تسلل من البيت لينضم إلى جيش الخلافة، وهو اليوم في الخطوط الأمامية يقاتل الكفار". هذه تغريدة نشرها حساب "تويتر" يروّج للدولة الاسلامية عن صبي عمره 15 عاماُ. بالطريقة نفسها التي تحدثت عنها التغريدة فقدت عائلة الحاج أحمد في آب (أغسطس) 2015 ابنها البالغ من العمر 16 عاماً، وتبين فيما بعد إنه التحق بدورة دينية، ومن ثم بأحد معسكرات التدريب، بعد توبيخ والده له في مشكلة خاصة. 
من خلال عملية بحث استمرت يومين ساهم فيها الأقارب والجيران عُثر على الصبي بمعسكر أبي مصعب الزرقاوي في منطقة الغابات شمالي المدينة، وعندما تمكنت العائلة من استرجاعه بوساطة من أحد عناصر التنظيم اتفق جميع أفرادها على التعامل معه بحذر ومحاولة إقناعه بعدم العودة للتدريب. شقيقه الكبير حسين يقول: "تصديت لمهمة التعامل مع شقيقي وبدأت برصد راتب شهري (50 ألف دينار) له، واضع عيني عليه وأصطحبه معي أينما أذهب، ولمزيد من الاطمئنان طرحت عليه فكرة الزواج في وقد تحمس للفكرة حتى صارت شغله الشاغل حاليا"، يضيف.
قصص أخرى عثرنا عليها في الموصل، حيث يردد أهالي المدينة مقولة "إذا فقدت ابنك لأكثر من ساعتين فابحث عنه في أقرب معسكر تدريبي". لكن أخطر ما تخشاه العائلات الموصلية هو تحوّل هؤلاء إلى انتحاريين إذ إن النسبة الأكبر من العمليات الانتحارية نفذها مراهقون أو شباب لا تتجاوز أعمارهم العشرين عاماً. 
وتقول ليلى زروقي، الممثلة الخاصة في الأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، إن نحو 700 طفلاً قتلوا أو أصيبوا بتشوهات مستديمة في أنحاء مختلفة من العراق منذ بداية العام 2014 وذلك جراء استخدام البعض منهم اثناء هجمات انتحارية شنها مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية. 
فيما وثق المرصد العراقي لحقوق الإنسان في تقرير مفصل يغطي النصف الأول من العام 2015 تنفيذ 40 طفلاًَ عمليات انتحارية أثناء المعارك في محافظة صلاح الدين. وتابع، أن أطفالاً من الأنبار ونينوى تتراوح أعمارهم بين 12 – 17 عاماً، نفذوا العمليات الانتحارية بسيارات مفخخة أو نصب كمائن للقوات العراقية، في المناطق التي تقع بين قضاء بيجي ومدينة تكريت في صلاح الدين.

جيل جديد
الحديث عن رقم محدد للاطفال والمراهقين الذين جندهم "داعش" في صفوفه يبدو حتى الآن ضرب من الخيال. لكن تقديرات لمصادر التقيناها في هذ التحقيق تشير إلى تخريج خمس دورات متكاملة منذ أيلول (سبتمبر) 2014، يقدر عدد الخريجين فيها بنحو 4200 إلى 4600 من الأطفال الذكور في ولاية نينوى وولاية الجزيرة وولاية دجلة (محافظتا نينوى وصلاح الدين) وولاية الفرات (محافظة الأنبار). "تجنيدهم لا يتعلق فقط بتعويض الخسائر البشرية على جبهات عدة، فالخطة المعلنة هي تهيئة جيل من المتطرفين يحمل لواء دولة الخلافة في المستقبل" يقول خالد حبيب، وهو صحفي من الموصل يغطّي نشاط الحركات الجهادية منذ عام 2004.
ملامح هذا الجيل يمكن التعرف إليها في المناهج الدراسية الجديدة للمرحلتين الابتدائية والثانوية التي أصدرها ديوان التعليم في "داعش" في تشرين أول (اكتوبر) الماضي. فالرسوم التوضيحية في كتاب "التربية الجهادية" مثلاً تكون على شكل أطفال يرتدون لباس "داعش" الرسمي (الأفغاني) إلى جانب أسلحة مختلفة كالمسدس والرشاش وغيرها. وعلى غلاف كتاب اللياقة البدنية للصف الأول الابتدائي، وضعت كلمتا "باقية" و"تتمدد" إشارةً لممارسة التمارين الرياضية للطلبة. وحتى في مادة الرياضات للصف الأول الابتدائي هناك عشرات العمليات الحسابية عن عدد جنود الدولة الإسلامية وعدد ولاياتها وعدد الأسلحة التي كسبها التنظيم في معاركه وعدد الجنود الكافرين الذين نحرتهم السكاكين. وألغيت إشارة الزائد (التي تشبه الصليب) من العمليات الحسابية واستبدلت بحرف الواو.
عناصر ما يسمى "بديوان الدعوة والمساجد" باتوا يختلقون الحجج لزيارة المدارس المتوسطة ويوزعون على الطلبة المنشورات والأقراص الصلبة التي تتضمن عمليات عسكرية وأناشيد حماسية وهو ما يجذب إليهم المزيد من الأطفال. 
بيد أن حبيب يؤكد على أن أبناء مدينته يقاومون رغبة "داعش" في تجنيد أولادهم، فعشرات الجوامع عزفت عن تنظيم دورات صيفية للأطفال في العام السابق بأعذار شتى. "بعضها تذرع بانقطاع الكهرباء أو بفقد الكازويل وبعض المدرّسين وجدوا أعذارا صحيّة" يوضح. 
كما يمتنع تلاميذ كثر عن الذهاب إلى المدراس، خاصة في المرحلة الثانوية (تتراوح اعمارهم بين 13-18 عاما)، وكذا  يفعل المعلمون الذين قطعت حكومة بغداد رواتبهم منذ أكثر من ستة أشهر. "التنظيم يعلم جيداً أن تلاميذ المدارس في نينوى يشكلون خزاناً بشرياً هائل الحجم، يصل عددهم لحوالي 400 ألف، لذا يؤرقهم أن يجدوا أكثر من نصف المقاعد الدراسية خالية".
حميد خضر توقف عن ارسال ولده إلى المدرسة رغم تفوق الأخير، بعدما علم بزيارات وفود "الدولة" إلى الصفوف الدراسية لكسب المزيد من الأتباع. يقول "دخل وفد من ديوان الدعوة والمساجد إلى صف ولدي، وجهوا بعض الأسئلة للمدرّس ثم سألوا التلاميذ أن يبايعوا الخليفة". وتابع "ردد الجميع البيعة لكن بصوت خافت، ومرة ثانية بصوت خافت، فأنّبهم الوفد وطلب منهم تكرارها بصوت عالٍ ثم خرج غاضباً". يضيف الرجل "خسر ولدي عامه الدراسي، ويبدو أنه سيخسر المزيد من الأعوام، لكن من غير الممكن أن أتركه يصبح داعشياً، أو أن أسمع في يومٍ قريب نبأ مقتله في عملية انتحارية".

انجزالتحقيق بدعم من شبكة نيريج للصحافة الاستقصائية