مخاطر ورحلات في الجزيرة العربية...عرض/كرم الله شغيت


27/11/2015

تأليف/برترام توماس

ترجمة/عبد الهادي فنجان الساعدي

عرض/كرم الله شغيت

يشير المفكر الفرنسي “جيرار لكليرك” في كتابه (الانثروبولوجيا والاستعمار)، إلى أن الانثروبولوجي يزعم أحيانا بما له من علم ومعرفة، انه في الموقع المناسب الذي يتيح له فهم الشعوب الأصيلة، بل واتخاذ الموقف اللازم تجاهها، وعلى الرغم من كل نواياه (الطيبة) لا يستطيع الإداري “الغربي، أن يفهم الشعوب الأصيلة فهما حقيقيا، فنظرته لا تكون في أحسن الحالات إلا جزئية ومشوهة.صحيح إن بإمكان السياسي أن يكون انثروبولوجياً، يضيف لكليرك، وهذا ما حصل بالفعل وخاصةً مع الرحالة البريطاني (برترام توماس) ولكن بما أن الانثروبولوجيا قد حصلت على استقلاليتها، لذا كان على السياسيين ومنهم توماس ترك وظائفهم القديمة. لم يكن (توماس) إداريا بريطانيا، ورحالة كانت له ريادة اجتياز صحراء الربع الخالي، فسجل هذا الانجاز باسمه في الغرب فحسب؛ بل كان انثروبولوجيا تخفى تحت رداء الإداري، ليصبح وهو يتجول في مناطق متفرقة من عمان، خبيرا بعاداتهم وتقاليدهم وأصولهم ومعتقداتهم، إلى الحد الذي جعله يصدر أحكاما حول أبناء هذه القبائل (1).

ويعتبر برترام توماس أحد الساسة والدبلوماسيين الإنكليز الذين خدموا في الأقطــار العربية ، إذ عمل لمدة ثلاث عشرة سنة في السلك الدبلوماسي في العراق والأردن والخليج ، وفي أكتوبر من عام 1910 وصل إلى مسقط في عهد السلطان فيصل بن تركي ( 1888 1913) ، وأقام في الجزيرة العربية بشكل متكرر منذ سنة 1915 ، وفي عام 1924 عينه السلطان تيمور بن فيصل ( 1913 – 1923 م ) وزيراً للمالية في مجلس وزرائه(2).

وهو أحد الضباط الإنكليز الشباب الذين عينتهم الإدارة البريطانية في العراق وأعطتهم مقاليد وصلاحيات في مناطق واسعة. كان فارساً في الحرس الوطني لشمال سومر سيت في الغلاندرز عام 1914. اشتغل في عدن واستطاع أن يعبر الربع الخالي في الجزيرة العربية برحلة موفقة دونها في كتابه "عبر الربع الخالي في بلاد العرب". ثم شغل منصب مساعد الضابط السياسي في سوق الشيوخ في 6 آذار 1918، ونقل إلى الشطرة في 6 شباط 1919، وبعدها إلى بغداد في 6 شباط 1920 مساعداً ثانياً في سكرتارية الدخل الحكومي ومنها أعيد إلى الشطرة ثانية في حزيران 1920، وبعد 30 حزيران 1920 أضيفت له قلعة سكر... وفي آب 1921 ودع الشطرة. وكان المستر توماس من جماعة فيلبي المناوئين لتنصيب فيصل ملكاً على العراق ، ومع هذا فقد أبقاه الإنكليز مفتشاً إدارياً إلى سنة 1924 حيث فصل عن الخدمة في العراق. ثم شغل وظيفة وزير المالية لسلطنة مسقط و عمان ثم رئيساً للوزراء فيها.(3)

يضم الكتاب الذي صدر مؤخراً عن مؤسسة مصر- مرتضى للكتاب العراقي الترجمة الكاملة لكتاب برترام توماس (مخاطر ورحلات في الجزيرة العربية) التي قام بها المترجم والكاتب الدؤوب عبد الهادي فنجان الساعدي، وهو بعمله الأخير يعود إلى توماس من حيث تركه في ترجمته السابقة لمذكراته والصادرة في وقت سابق.

والكتاب عبارة عن مغامرتين كما يظهر من تقسيمه، عاشهما توماس إثناء خدمته كضابط في العراق.ففي الفصل الأول من المغامرة الأولى يعرّف بالفترة الزمنية التي يكتب عنها وهي السنة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى واكتساح البريطانيين للأتراك واستتباب الأمر لبريطانيا إلا من خروج الشيخ بدر بن رميض شيخ عشيرة البو صالح في منطقة أهوار المنتفك . وقد أوضح أن السيطرة على البلاد تمت من خلال استدراج الرؤساء التقليديين(رؤساء العشائر) ، أما الشيخ بدر فقد اختار طريق الابتعاد عن أهواره طول عمره خلال التحاقه بدعوة الجهاد ضد الموجة الأولى من الغزو البريطاني ثم في معركة الشعيبة 1915. وقد تجاهل عروض السلام وبقي عصيا على القادة البريطانيين. ويصف توماس لقاءات الشيخ بدر مع ضابط منطقة المنتفك (هارولد ديكسون)ومحاولاته لعقد صلح معه.

في الفصل الثاني يتحدث عن العملية رقم /1 في المواجهات التمهيدية مع الشيخ بدر لعدم تسليمه للحكومة البريطانية.ويصف رحلة المراكب الحربية إلى عمق الهور وروعة المشاهد الطبيعية من حولهم، ودخولهم لأماكن لم يألفوها من قبل وهي أول تجربة له في العمل السياسي، وتفشل العملية في تحقيق أهدافها لتنتهي بتوجيه وابل من النيران إلى القرية واصطحاب(حسن) ابن الشيخ بدر كرهينة.

في الفصل الثالث يذكر أنه يترك (سوق الشيوخ) خلال الشتاء لمهمة مستقلة ويلتفت أثناءها لتصوير المنطقة، مسهبا في وصف النهر ورحلتهم باتجاه مجراه ليلقوا نظرة على حياة الناس من حوله متمتعين بهدوء دام ما يقارب السنة واصفا حفلة سباق الخيل في الناصرية ومفاجأة بدر لهم بهجوم ليلي على نقطة المتطوعين، محتملا أن يكون بدر قد كون تنظيما جيدا بدعم سري من رؤساء العشائر لذا فأنهم يفكرون في تلقينه درسا عند حلول الصيف.        

الفصل الرابع : مهمة جديدة توكل إليه وهي إسناد القوات المهاجمة لشيخ بدر وسد الطريق عليه إذا حاول الهرب باتجاه الشمال، وقد قام بالتعاون مع (200) من الخيالة من رجال القبائل برصد الطرق والانتظار .و لقد شعرت القرى المجاورة لبدر بقرب الهجوم فقاموا بأخلائها، بعدها هرب الشيخ إلى الشمال الغربي ولم يكن هناك أمر بمطاردته. فيتجه توماس إلى الشمال ويجند قبائل العمارة مستغلا نزاعات قبلية سابقة مع بدر.

الفصل الخامس يلخص توماس فيه الموقف الذي كان عليه الشيخ بدر من القوات البريطانية وحساباته كضابط في الجيش ، وقد كان متجردا في تلك الصفحات حتى وصل إلى أن ينعت بدرا بأنه الأفضل في تلك اللحظات عدا أن عامل الوقت قد كان بجانبهم، وقد جرت محاولات سلمية لإنهاء التمرد الذي يقوده الشيخ بدر انتهت بتسليمه شخصيا وعودة قبيلته إلى أراضيها الأصلية ونودي بابنه حسن خلفا له.

أما مغامرته الثانية فكانت كضابط سياسي في منطقة ما أسماه بـ(العصيان المسلح) في منطقة بلاد ما بين النهرين عام 1920.وقد مهد في المقدمة للجو العام الذي كان سائدا في المنطقة العربية ملقيا نظرة تاريخية ومحللا نفسية رجال القبيلة معللا وقوفهم ضد الحكومة باكتفائهم الذاتي والرغبة بالتفرد ورجل القبيلة في عزلته تلك يعتبر نفسه هو الحاكم، وقد ظهرت فيما بعد الحركة القومية والدعوة إلى الإدارة الذاتية التي يدعمها ميثاق عصبة الأمم باعتبارها رغبات الشعوب، حتى مايس عام 1920 عندما اندلع العصيان المسلح ضد الانكليز، بحيث أيقنوا بأن عدد الجنود غير كاف لصد العاصفة، وتصل الأوامر إلى توماس بالتحرك إلى منطقة التوتر في الشطرة؛ وهي المركز الجغرافي لمنطقة اتحاد عرب المنتفك، ويمر توماس على طبيعة المنطقة جغرافيا وبشريا وتاريخها مع الحكم العثماني ونظامها القبلي و العائلات الكبيرة فيها والقادة من شيوخ القبائل ومواقفهم إثناء حكم الأتراك وبعده. وفي الفصل الثالث يتعرض إلى سوء الوضع الإداري في بلاد ما بين النهرين أيام الأتراك الذي انسحب إلى المناطق الريفية ، فكانت المنتفك منطقة تسودها الفوضى وبلا حكومة عدا قانون العشائر التي تشكل خطرا على التجارة ، ويقيّم من جانب آخر الوضع الداخلي والموقف أيام الإدارة البريطانية تتضح فيها معرفته الجيدة بتركيبة المجتمع العراقي طبقيا ودينيا ومذهبيا، وإن صحح المترجم بعض ما ورد فيها.

وفي الفصل الرابع يقارن بين النظم البريطانية والتركية في الإدارة والقضاء واصفا عمل البريطانيين بالأخذ بيد والعطاء بيد أخرى.

وفي الفصل الخامس يتحدث عن (العصيان المسلح) في المناطق المجاورة، والمشاكل في بغداد، والخطة المعدة لاعتقال الشيخ خيون العبيد، ومناوراته لجمع السلاح من العشائر، وما كتب من مراسلات في تلك الأيام الرمضانية التي يصفها بالمشؤومة ....لقد تفجر الاستياء بين القبائل من جمع الضرائب، قلق وانزعاج في المدينة ، وظهور الشخص المؤهل لهندسة الانتفاضة في الغراف وهو خيون العبيد وهو الوحيد الذي يمنع قيامها ، فقام توماس بإفشاء سر نية اعتقاله طمعا في صداقته والسيطرة على الغراف من خلاله بمنع القبائل من المشاركة بالتمرد.

في الفصل السادس يكتب عن الأسابيع الثمانية التي شهدت أحداث الثورة بدءا من اعتقال رجال الدين وانفجار (العصيان المسلح) في المناطق المجاورة، وحصول معارك متفرقة تكبد خلالها البريطانيون خسائر كبيرة، وحدوث فراغ في حدود توماس الغربية. في الأسبوع الثالث يطير فوق أعالي النهر ليطمئن على قلعة سكر ويعود إلى الشطرة عند حصول مشاكل في خط التلغراف، ووصول رسالة إليه من المفوض الأهلي بواسطة الطائرة .في الأسبوع الرابع يتصل بالناصرية موضحا تدهور الوضع وحدوث نوع من الانفلات الأمني، ومحاولة اغتيال نظيره في الوظيفة في قلعة سكر، وتحطم طائرة لخلل فني، ثم وصول مبعوث ديني لتحريض العشائر على الثورة.ثم تتوالى الأحداث في الأسابيع التي بعدها نحو السوء و تنتشر الدعوة للجهاد ، حتى دب الاستياء في صفوف قوات توماس، وأصبح موقفه مربكا لحلفائه الذين لم يتخلوا عنه حتى وصل رسول قيادة الثورة يحمل أوامر إسقاط الغراف فخرجت المدينة لاستقباله في مظاهرة أمام بيت توماس وصاحبها إطلاق النار ترحيبا بمقدمه.

في يوم 27 آب أرسلت له طائرتان لنقله هو والكابتن (هول) إلى الناصرية حيث ودع شيوخ العشائر وتركهم لقيادة خيون العبيد، وبعد وصول الكثير من الجنود وتحسن المدد وانتهاء العصيان يعود توماس بعد ستة أشهر إلى الشطرة ضابطا سياسيا، ويتركها بعد ستة أشهر أخر حاملا معه سيفا كهدية نفيسة تعيد وفاء ً وإخلاصاً قديما لا ينسى.

ـــــــــــــــ

مصادر المعلومات عن حياة برترام توماس

(1)موقع أنساب أون لاين

(2) موقع شبكة الميدان.

(3)موقع نيل وفرات.