الأغنية العراقية تعيش اليوم أزمة الذائقة – هيبا حارث النقيب


08/11/2015

هيبا حارث النقيب

 يعد الكثير من المتابعين بأن الأغاني الهابطة ليست عيباً أو عاراً في ظل الظروف الحالية التي يمر بها البلد ، فالأغنية أيضاً كحالة من التعبير عن واقع المجتمعات هي حالة انعكاس لكل الظواهر التي طرأت على المجتمع بسبب الفوضى العارمة والفساد والصراعات السياسية المعمقة والحروب الداخلية بالاضافة الى عامل الوضع الإقتصادي المتردي .

دون شك يعد هذا التبرير صحيحاً وقد يحمل بين ثناياه بعض الموضوعية ، لكن ما هو محزن فهو مستوى الابتذال الذي وصلت اليه الأغنية العراقية بصورة عامة ، وهذه ظاهرة يتحدث بها كثير من الفنانين الأصلاء والنقاد الموسيقيين ، وبالفعل فان الفن دوماً كان وما زال يعبر عن المرحلة الزمنية والحالة السياسية والاجتماعية .

ومنذ بدايات الحديث والكتابة عن الفن بدءاً من أفلاطون وأرسطو نرى مصطلح المحاكاة ملاصقاً للفن ... فعندما ذهب الفلاسفة الكبار الى ان الفن محاكاة للطبيعة قديماً ، يبدو بان الفن حالياً هو محاكاة للواقع المعاش ... لذا فالأغنية العراقية الحالية بشتى الوانها ولغاتها هي محاكاة للواقع المعاش.

صحيح ان التطور التقني في عالمنا سريع ومذهل ، لكن تبقى جوانب أخرى تسير بانسيابية وهدوء ، فعلى سبيل المثال وليس الحصر نرى بان علوم الاجتماع والنفس تبقى تسير ببطء معهود وهدوء كون الحالة التي تتناولها هذه العلوم هي شبه ثابتة رغم ان التحول هو السمة البارزة في الحياة ، لذا نرى النظريات القديمة فيما يخص علم الاجتماع مثلاً مازلت حية نابضة كطروحات ابن خلدون .

والقصد من هذا الكلام هو ان الأغنية كتعبير عن واقع حال ليست مجرد جهاز انبائي بقدر ما هي رسالة ومدرسة ...وهنا قد لا يكون بمقدوري الدخول وخوض النقاش حول نظريات الفن وبخاصة ذلك التنافر والتناقض بين اصحاب نظريتي (الفن للفن) و (الفن للحياة) ... ففي الحالة الأولى عندما تكون الاغنية عملية ابداعية لا بد ان نقف امام هذه الحالة باحترام شديد رغم تجريدية العمل الابداعي ، وفي الحالة الثانية واقصد حالة الفن للحياة وهذا ما ارتبط فلسفياً بالواقعية الاشتراكية يجب ان نقف أيضاً باحترام شديد كون ان الفن كان يخدم المجتمع وان الأغنية كانت تعبيراً عن واقع المجتمعات والافراد.

الآن الى أي شيء تنتمي الأغنية العراقية؟ تخضع لأي نظرية فنية؟ هل يمكن اخضاعها لواقع النقد الفني الموسيقي الأصيل ؟ أرى بانها لا تخضع الا لحالة الفوضى العارمة التي يعيشها البلد .

لا ينكر ان هناك اصواتاً وامكانيات جميلة وان العملية الابداعية باقية ، لكن مع الأسف فان المتاجرة بالفن وجعل الأغنية بضاعة رخيصة تموت وتنهار بسرعة مثل البضائع الصينية التي يستوردها بعض التجار الجشعين فهنا يكمن الحزن والأسى ... هذا في ظل غياب أي اهتمام مؤسساتي من قبل الدولة بهذه الجوانب وذلك بسبب كوننا دولة فاشلة وان ساستنا لا تهمهم الا مصالحهم ومصالح احزابهم ولا يهمهم العمل الابداعي لا من قريب ولا من بعيد.

ما زلنا الى الآن نقف باجلال واكبار واحترام للأغنية السبعينية العراقية التي كان المطرب فيها هو الحاضر وليس المغني العادي ... كانت الكلمة هي الحاضرة وكان اللحن هو الحاضر فثلاثية الأغنية (المطرب والشاعر والملحن) آنذاك خلدت لنا صفحات مستنيرة من تاريخ الأغية العراقية سواء العربية او الكردية ... أما الآن فقد غدت بعض الفضائيات التي هي عبارة عن دكاكين صغيرة وبعض شركات الانتاج التي هي عبارة عن بقاليات على الأرصفة تتاجر بالفن وبطريقة مبتذلة للغاية الى حد ان الأغنية العراقية وخاصة اغاني الفيديو كليب قد غدت مستهجنة وتجعل المرء يشعر بالحاجة الى التقيوء ، وان الذائقة أصبحت محزنة ومضحكة في نفس الوقت.