التحرش الجنسي والمجتمع العراقي ... آلاء الجبوري


19/09/2015

 

الاء الجبوري \ بغداد

 استبيان التحرش الجنسي الذي اجراه منتدى الاعلاميات العراقيات , صدم المجتمع العراقي وعده البعض بإن 77% نسبة مبالغ بها رغم ان الاستبيان خلص الى ان التحرش اللفظي كان 57%  والترش الجسدي 22% حيث صرحت نبراس المعموري رئيس منتدى الاعلاميات العراقيات بأن الاستبيان أجراه اكاديميين مختصين على اسس علمية .

 لماذا استهجنت اغلب شرائح المجتمع نسبة التحرش الجنسي في العراق هل هو فعلا موجود بالحجم الذي ذكره استبيان منتدى الاعلاميات العراقيات وقبله العديد من الناشطات في الحركة النسائية العراقية , وحتى الاعلام رغم ندرة تناوله قضايا المرأة إلا ان قضية التحرش الجنسي تناولته بعض المؤسسات الاعلامية ومنها صحيفة الاهالي الليبرالية في صفحة مساواة وأكدوا وجوده , كظاهرة سلبية في المجتمع العراقي .

اشكال التحرش الجنسي

 لا نستغرب ارتفاع نسبة التحرش الجنسي في العراق اذا تعرفنا على اشكاله فهناك التحرش اللفظي الذي يعني التحرش باستخدام كلمات جارحة وخادشة للحياء هي تعد جريمة في قانون العقوبات العراقي , والشكل الاخر التحرش الجسدي ويعني التحرش بجسد الضحية والذي يعده قانون العقوبات جريمة اعتداء جنسي , أما النوع الثالث هو الزنا بالمحارم الذي يعد من الجرائم التي يشدد قانون العقوبات العراقي في عقابه على جريمة الزنا بالمحارم وحتى عند العفو عن السجناء خلال الانظمة التي تعاقبت على حكم العراق , يستثنى مجرمي الزنا بالمحارم وتخصص لهم سجون تتميز بتعامل خاص يدل على بشاعة الزنا بالمحارم , اما النوع الاخير هو التحرش الجنسي بإستخدام الابتزاز والذي يعد اخطر انواع التحرش الجنسي الذي تدفع ثمنه المرأة , حيث يصبح مشكلة تعرقل عملها .

الابتزاز تحرش جنسي تدفع ثمنه المرأة ويفلت المتحرش من العقاب

يعد الابتزاز جريمة جرائم التحرش الجنسي حيث اصبح شائعا في سوق عمالة النساء تعرض المرأة الى الابتزاز مقابل حصولها على الوظيفة وفي احيان كثيرة المساومة على البقاء في عملها والابتزاز الجنسي في القطاع الخاص مقارنة مع القطاع العام الذي لايستطيع المبتز في اغلب الاحيان من إقالة الموظفة رغم انه يعرقل كل ما يخص عملها .

اسراء 35 سنة موظفة في احدى شركات القطاع الخاص تقول : عملت في العديد من الشركات الاهلية ولكن لايستمر عملي طويلا ففي النهاية اتعرض للتحرش الجنسي من خلال  إبتزازي مقابل البقاء في الوظيفة لذا ,اضطر الى ترك العمل الذي انا بأمس الحاجة له

ح. ف 27 سنة , اعلامية وأم لطفلة تقول : تعد المؤسسات الاعلامية ارضا خصبة للتحرش الجنسي من خلال ابتزاز المرأة وفي حال رفضت المرأة فستطرد من عملها , وان كانت المؤسسة الاعلامية بحاجة الى تخصصها فأنهم سوف يعاقبونها على رفضها الخضوع لإبتزازهم في مستحقاتها المادية والدوام وغيرها من الامور كوسائل ضغط عليها , وانا احدى ضحايا التحرش الجنسي من خلال الإبتزاز وعندما رفضت استغنوا عن خدمات بدون حتى ذكر الاسباب .

هدى 33 سنة مطلقة وتكافح لكي تكمل دراستها المسائية تقول : كلما عملت في شركة من شركات القطاع الخاص اتعرض للتحرش الجنسي لذا اترك العمل رغم حاجتي الشديدة للعمل .

سميرة 36 سنة موظفة في احد الدوائر الحكومية تقول : تعرضت للتحرش الجنسي من قبل مديري وعندما رفضت الخضوع له بدأ بمحاربتي في التشدد بالدوام والعقوبات الادارية وحرماني من امتيازات عملي .

 

المجتمع العراقي مع ام ضد المتحرش جنسيا ؟

مازلت اذكر احدى الفضائيات العراقية التي قدمت برنامج يهتم بقضايا المرأة ولكن بطريقة سلبية ومنها قضية التحرش الجنسي وسألت المشاهدين عن واقعة تحرش جنسي لشباب على فتاتين في متنزه الزوراء وطرحهما ارضا وكانت تعليقات المشاهدين تظهر على الشاشة عبر النت والهاتف , ومعظمها مؤيد للأعتداء وان الفتاتين تستحقان ما حصل لهما لأنهما كانتا ترتديان (سروال جينز ضيق وبدي) وانتهى البرنامج بإلقاء اللوم على الفتاتين وعلى النساء عموما في قضية التحرش الجنسي وأن ماترتديه المراة من ملابس هو السبب الاساسي في التحرش الجنسي .

الحجاب هل يمنع جريمة التحرش الجنسي ؟ 

غالبا ما تصبح ملابس المرأة الذريعة للمتحرش في تبرير تحرشه الجنسي وان الحجاب يحمي المرأة من التحرش الجنسي بكل اشكاله فتوجهنا الى عدد من المحجبات بسؤال هل منع الحجاب تعرضكن للتحرش الجنسي ؟

سمية 39 سنة موظفة تقول : ارتديت الحجاب بناء على رغبة زوجي الذي لايؤمن بالحجاب ولكنه يساير المجتمع ولم يمنع الحجاب التحرش الجنسي بل اني وصلت الى نتيجة ان المحجبة اكثر عرضة للتحرش من السافرة وان ارتداء الجلباب الاسلامي الذي ارتديه اثناء التسوق اتعرض فيه الى اقسى عبارات التحرش الجنسي رغم اني اسكن في الكرادة التي تعد منطقة مدنية نوعا ما .

شذى 30 سنة تقول : كنت سافرة بملابس محتشمة جدا وتعرضت للتحرش الجسدي الذي ادى الى اصابتي بشلل في العصب السابع ما ادى الى عدم السيطرة على حركة فكي الاسفل بسبب الصدمة التي تعرضت لها , فقررت حينها ارتداء الحجاب لعله يحميني من التحرش الجنسي ولكن للأسف كانت النتيجة اسوء ولم يمنع الحجاب التحرش الجنسي وعرفت ان ملابس المرأة لاعلاقة لها بدوافع المتحرش جنسيا .

ام محمد 50 سنة ربة بيت وام لثلاثة ابناء تقول : لم تمنع العباءة السوداء والفوطة السوداء وعمري الذي يبدو على ملامحي من التعرض للتحرش الجنسي البشع فتعلمت حينها ان المرأة المحتشمة في ملابسها والمحجبة والتي ترتدي الزي الشعبي ( العباية العراقية والفوطة السوداء ) والتي ترتدي ملابس مثيرة تتعرض للتحرش الجنسي على حد سواء .

حنان 35 سنة موظفة ومحجبة تقول : لاعلاقة للسفور او الحجاب بالتحرش الجنسي الذي تتعرض له المرأة في مجتمعنا فسياقة المرأة للسيارة احد اسباب تعرضها للتحرش الجنسي وبعدوانية من قبل سائقي السيارات واسماعنا اقسى العبارات وكأن السياقة تستفزهم فيظهر الاستفزاز تحرشا جنسيا مهينا .

ايمان 27 سنة وأم لطفلة لها رأي خاص بالتحرش الجنسي حيث تقول : كنت محجبة  فتعرض للتحرش الجنسي والجسدي رغم اني كنت احاول اخفاء كل مايثير الرجل , ولما لم يكن الحجاب رادعا للمتحرش خلعته وصرت ارتدي الجينز والقمصان ولا اهتم كثيرا في مسألة الاثارة فصدمتني النتيجة ان التحرش الجنسي اقل مما لو كنت محجبة او مرتدية الجلباب الاسلامي , وحينها بدأت اسال السافرة والمحجبة عن تعرضهما للتحرش الجنسي فتوصلت الى نفس النتيجة التي وصلت اليها من خلال تجربتي , ولأجد تفسيرا لتعامل المجتمع المتناقض مع المرأة السافرة والمحجبة في قضية التحرش الجنسي ولا علاقة لما ترتديه المرأة في تحريض الشباب على التحرش الجنسي .

الناشط محمد عبد الرضا رئيس منظمة الفكر المتحرر 38 سنة يقول : اولا لابد ان نقر بأن التحرش الجنسي في العراق ليس حالات فردية وانما ظاهرة اجتماعية تساهم في خلخلة السلم الاجتماعي, فهو يجعل من المرأة ضحية والمتحرش مجرم يعاقبه قانون العقوبات العراقي بالسجن والغرامة المالية , ويجب علينا التحلى بقدر من الشجاعة ونواجه الحقيقة وان كانت مرة ولا نبحث عن ذريعة ما ترتديه المرأة من ملابس لتبرير التحرش الجنسي , وهنا يأتي دور رجال الدين في مخاطبتهم للمجتمع وترسيخ الحجاب على انه الفضيلة الاكبر ومحاولة فرضه على المجتمع واعتبار السافرة خارجة على الشريعة وكأنها مجرمة , وهذا ما حاول ترجمته الإسلام السياسي المهيمن على السلطة في العراق بعد 2003 من خلال فرضه قسرا وباساليب غير مباشرة او بالترهيب الذي مارسته المجموعات المسلحة ومن كل الاطراف في فرض الحجاب على المناطق التي تهيمن عليها حتى صار تقريبا 75% من النساء العراقيات محجبات وهنا نتسائل : لما تحول التحرش الجنسي الى ظاهرة في ظل مجتمع يهيمن عليه الاسلاميون وثلاثة ارباع نسائه محجبات ؟ اضافة الى تمدد الاعراف العشائرية وسريان قوانينها حتى على القانون الوضعي العراقي , نستنتج من هذا ان الحجاب والسفور واسلمة المجتمع والتفسيرات الخاطئة لرجال الدين كانت مساهمة في تمدد ظاهرة التحرش الجنسي التي تتحول في كثير من الاحيان الى عدوانية واستفزاز فحتى المرأة التي يرافقها رجل قد يكون زوجها او اخوها تجد من يتلصص وبتحدي على المرأة التي تكون برفقة رجل وهذا يدل على خطورة ظاهرة التحرش الجنسي .

المرأة الضحية الصامتة في جريمة التحرش الجنسي

ينكر الرجل في اغلب الاحيان ظاهرة التحرش الجنسي في مجتمعنا ويقلل من حجمها ومخاطرها وهذا الموقف له اسباب مختلفة , لكن ماذا عن المرأة عندما تنكر وجود ظاهرة التحرش الجنسي ؟ فمن خلال عملي في مجال قضايا المرأة وعلى ظاهرة التحرش الجنسي واجهت صعوبة في اعتراف المرأة في تعرضها للتحرش الجنسي .

هبة علي 25 سنة تقول : اعتراف المرأة بتعرضها للتحرش الجنسي سوف يجعلها تدفع ثمن فعل سيء لم ترتكبه فغالبا ما يبحث المجتمع عن مبرر للمتحرش جنسيا والقاء اللوم على المرأة وهي من يوجه اليها السؤال التقليدي ماذا كنت ترتدين لذا تجدين المرأة تقول اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب .

ولاء محمد 37 سنة تقول : التحرش الجنسي قضية مسكوت عنها والمرأة اول من سكت عليها لأن المجتمع يقف ضد المرأة في قضية التحرش والدليل على هذا الرأي ان المرأة لاتدافع عن نفسها في حال تعرضها للتحرش الجنسي وتفضل الصمت والانسحاب الذي يجعل المتحرش يتمادى ويستقوي على المرأة وهذا ما حصل معي في سوق بغداد الجديدة عندما واجهت احد الشباب الذي حاول التحرش بي جسديا ولكن للأسف لم يساندني احد من المتواجدين حينها والنتيجة انه شتمني واتهمني اني تحرشت به .

التحرش الجنسي ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد المجتمع وتعبر عن انفلات اخلاقي واستهتار بالقوانين الشرعية والوضعية والعادات والتقاليد ولا بد من اخضاعها الى اهل الاختصاص من اكاديميي علم النفس والاجتماع لذا التقينا الدكتور شاكر سعيد استاذ علم الاجتماع في الجامعة المستنصرية يقول : ان المجتمع العراقي مجتمع محافظ متشبث بالتقاليد ومثل هذه الحقائق يرفضها ويصر على رفضها رغم ان التحرش الجنسي هو ظاهرة متفشية في المجتمع العراقي خصوصا مع المتغيرات التي ظهرت بعد 2003 , ومنها التحرش الجنسي الذي يعد شكل من اشكال العنف الواقع على المرأة العراقية ضمن سلسلة طويلة من حلقات العنف التي تكبلها وتؤثر على كيانها وكرامتها , ويضيف الدكتور شاكر ان دوافع الرجل في العراق في التحرش الجنسي ليست فقط لأاسباب الاثارة الجنسية  فقط بل اغلبها سببه العنف البنائي الذي يعني الهيمنة الذكورية على الاناث من منطلق الاستقواء على الضعيف وهما المرأة والطفل , حيث يصبح التحرش الجنسي بالمرأة محاولة للتنفيس والتفريغ للعدوانية التي بداخله نتجية اسباب عديدة  , ولعل من اسباب تعرض المرأة السافرة  للتحرش الجنسي هو الحماسة الدينية لدى الذكور التي تعتمد مفاهيم وتفسيرات دينية خاطئة تعتبر المرأة السافرة خارجة على الدين لذا فالمتحرش يشعر براحة الضمير تحت هذا الغطاء وهو يقوم بجريمة التحرش .

 

ذكر استبيان التحرش الجنسي لمنتدى الاعلاميات ان نسبة زنا المحارم تصل الى 5% ولكن استقبلت هذه النسبة بالرفض والاستهجان فهل المجتمع العراقي منزه من هذه الجريمة ام ان هناك عوامل تساعدة في وجود زنا المحارم في المجتمع العراقي يقول الدكتور شاكر سعيد : ان زنا المحارم جريمة موجودة في كل المجتمعات ومنها المجتمع العراقي ولكن المتغيرات بعد 2003 تساعد على وجود هذه الجريمة واهمها مشكلة الاكتظاظ السكاني المتفشية في العراق والتي تعد علميا مسببا للعديد من المشاكل الجنسية وليس زنا المحارم فقط اضافة الى قلة الوعي الديني الحقيقي وانتشار الامية .

جريمة الزنا بالمحارم لم يبتكر وجودها استبيان التحرش الجنسي لمنتدى الاعلاميات العراقيات بل هو موجود منذ تأسس القانون الوضعي العراقي الذي حدد عقوبة جريمة الزنا بالمحارم وخصصت سجون لهم وتنمو هذه الجريمة في ازمة السكن وهو مايعيشه العراق من اكتظاظ سكاني له مخاطر كثيرة منها انه الارض الخصبة لجريمة الزنا بالمحارم اما السبب الثاني هو الفصل بين الجنسين والذي تعتمده بعض الدول الاسلامية المتطرفة في تطبيق الشريعة ومثال على ذلك السعودية التي تفرض النقاب على المرأة وتتشدد في الفصل بين الجنسين لكنها من الدول التي تعد الاعلى في جريمة زنا المحارم .

القضاء على ظاهرة التحرش الجنسي يتطلب تظافر الجهود بداية بتأسيس مراكز متخصصة ترصد هذه الظاهرة وتضع المعالجات من خلال كفاءات وخبرات في علم النفس وعلم الاجتماع ولايمكن اغفال دور رجال الدين في ترسيخ مفاهيم دع المخلوق للخالق وليس التحريض على تطبيق الشريعة من خلال مواطن لايفهم من الشريعة الا مايخدم ذكوريته , فبالقضاء على ظاهرة التحرش الجنسي نساهم في ترسيخ السلم المجتمعي الذي يعد احد اهم اركان الديمقراطية .