كونوا ما شئتم، لكن أبقوا في روحكم خالدا ذلك الانسان .. سامان نوح


31/01/2015
في ذلك المساء وعلى شرفة قصر الدكتاتور، قرب جرف النهر الذي وهب الأرض الحضارات الأولى، وقفت استذكر ذلك الارث الجنوبي العظيم، وأتأمل خيوط الشمس المغادرة وهي تمسح اسوار مدينة بابل القديمة الممتدة يمينا وبقايا غابات النخيل الباسقة يسارا.
مازال في العمر بقية، وما تزال رغم ارتال العابثين والطامعين بابل حية، ومازال الفرات يجري مانحا سر الحياة الأبدية، ومازال النخيل يمنح رطبا شهيا... مازالت المعابد تنتظر زوارها، والأسكندر الأكبر يبحث عن من يرفع قبره ويدفن سيفه، مازال السحر وهاروت وماروت وطلاسم القصص المخفية، مازال الملوك الكبار والأسد الجبار وآثار السبي الأليم ونار الحاكم الطاغي ونور الحاكم الحكيم.
ومازال هنالك بابليون وفراتيون يلوحون لك من بعيد ويمدون للغريب أياديهم، ويفتحون قلوبهم للقادمين، وكأن الشر لم يطأ يوما منازلهم، وكأن فرعون بجيوشه لم يمر على أبوابهم، وكأن مآسي جرف الصخر لم تكن، وكأن روح الأنبياء ماثلة في الزوايا، والقصة ماتزال تنتظر ان تكتمل.
مازالت هنالك بابليات وفراتيات، يسرن في شارع الموكب بلا وجل، ويجلسن على عرش الحكمة ويقفن امام مهد الحضارة وينابيع الخصب، ويضفن على مسلة القانون الأول اسطرا اخرى... وكأن الانسان فيهم وبعد كل الوأد لم يقهر، وكأن العتبات السود ومواكب العزاء الطويلة بعد كل جولة حرب كانت أطيافا عابرة، وكأن الرايات الخضر والحمر ما تزال حاضرة ترفض كل جهالات الظلم وموالات الاستسلام.
كان في العمر بقية، وربما لم يزل لنرى بعد كل ألوان الويلات العراقية، بعد الذبح باسم الوطنية وباسم المذهبية بل وباسم الله، ان الامر ليس بذلك السوء المنظور، فالدروب الى بابل ما تزال سالكة والأبواب مفتوحة، والشمس تشرق دون غياب، والأنهار تجري دون سؤال وجواب، والأشجار تثمر، وهناك في كل موضع من يحملون الروح الزكية.
لكل من التقيت في رحلتي الى (خفايا) بابل الدفينة، لكل من فتح في أرواحنا الصدئة باب أمل، وزرع في قلوبنا المثقلة دون ان يدري بذرة أمل، تحية انسان لانسان.
قد لا تجمعنا الدروب أبدا وقد لا يكون لنا بعد هذا اليوم لقاء، وقد انسى في المحطات الآتية وجوهكم كما اسماءكم، لكن سيظل لكم في قلبي مكان.
من اي أمة كنتم، ومن اي طائفة، ومهما تكن الهوية التي تحملونها، لكم مني كلما مرت بذاكرتي خيوط وجوهكم، الف سلام وسلام.
كونوا ما شئتم، لكن أبقوا في روحكم خالدا ذلك الانسان.
*************
محطات: شارع الموكب في مدينة (بوابة الإله- بابل) الذي يظهر في بعض الصور يعود الى نحو 3700 عاما مازال يحتفظ بأسفلته القديم !! ... المداخل الصغيرة التي يظهر اقل من متر منها يفترض انها ترتفع لنحو خمسة أمتار والجزء الباقي كله مطمور تحت التراب !! .. فوق المدينة القديمة التي غطى الطاغية صدام أجزاء كبيرة منها تحت التراب لمد خطوط الانارة الخاصة بمهرجان البابل تربض مدن أقدم لم يجري التنقيب فيها ابداً !! .. الانسان البابلي كان ضخم الجثة ويتجاوز طوله المترين بحسب مؤرخين !! .. المتاهات التي تظهر في احدى الصور وهي بالعشرات هي فخخاخ في وجه الغزاة الغرباء !! .. الخفافيش تملأ الثلاجات البابلية التي تمتد لعشرات الأمتار وتحتفظ ببرودتها في الصيف!!.. المعابد – المحاكم ماتزال قائمة ببنائها القديم وهي بيوت آمنة للطيور!! ... قصور الملوك تتناثر في المدينة وهي تتهاوى بسبب غياب الصيانة!! .. التجول في المدينة يتطلب عدة ساعات للاطلاع على ابرز معالمها !! ... التلال الأثرية التي تمتد على مسافات شاسعة تنتظر التنقيب!! .. قصر صدام الذي بني بميلان واضح ليحاكي الزقورة تطاله يد التخريب رغم امكانية استغلاله سياحيا.
********
ملاحظة: شارك 12 صحفيا وصحفية من بابل وكربلاء والديوانية، في ورشة الصحافة الاستقصائية، التي نظمتها النقابة الوطنية للصحفيين بتمويل من "الصندوق الوطني لدعم الديمقراطية" في واشنطن، للتعريف بهذا الفن الصحفي الاحترافي، وتدريب نخبة من الصحفيين على مباديء العمل الاستقصائي لتمكينهم من انجاز تحقيقات في العمق.
الورشة التي استمرت اربعة أيام، هي الثالثة ضمن برنامج يشمل خمس ورش ستنظم في بغداد واربيل وبابل والبصرة، وجرى خلالها التعريف بأسس الصحافة الاستقصائية وميزاتها والتحديات التي تواجه هذا الفن الصحفي وكيفية العمل لانجاز تحقيقات في العمق والمصادر التي يحتاجها الصحفي، وجرى مناقشة عدة افكار قدمها المتدربون لتحويلها الى "فرضيات" لتحقيقات استقصائية سيجري العمل على انجازها في الفترة المقبلة بالتنسيق مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية (نيريج).